يُمثّل الفنان اللبناني نبيل نحاس لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – «بينالي البندقية»، مُقدِّماً تجهيزاً فنياً بعنوان «تعدُّد بلا حدود». يمتد هذا التجهيز الفريد على طول 45 متراً في موقع «آرسنال»، ويضم 26 لوحة أكريليك على قماش، بارتفاع 3 أمتار، لتشكّل إفريزاً ضخماً يغمر الزوار ويدعوهم لاستكشاف رموزه وأجوائه المتعددة.

يُبرز نحاس، عبر هذا العمل، ثيمة التعدّدية التي يعيشها لبنان، وهي تتجلى بوضوح في تناغم الألوان والأشكال الهندسية والروحانية التي تزخر بها اللوحات. هذا التجهيز، الذي يهدف إلى تقديم تجربة تأملية للجمهور، يعكس روح لبنان التسامحية والمشتركة، مستلهماً من تاريخه الغني وثقافاته المتراكمة.

نبيل نحاس: جسر بين الثقافات وتجسيد للتعدّدية اللبنانية

يُعد نبيل نحاس من أبرز التشكيليين اللبنانيين الذين يحرصون على إبراز التعدّدية في بلادهم. عاش الفنان تجارب حياتية متنوعة، متنقلاً بين مدينة جبيل في طفولته، والقاهرة في شبابه، وصولاً إلى نيويورك حيث عمل وشارك في كبرى المعارض والمتاحف. وبعد غياب دام 18 عاماً، عاد نحاس إلى لبنان، ومنذ ذلك الحين، لم ينقطع عن مسقط رأسه.

يقول نحاس إن تجهيزه الفني في البندقية يستلهم من بيئته التي كانت دائماً مزيجاً من مختلف الحضارات. نشأته في مدينة بيبلوس، بمواقعها الأثرية التي تعكس طبقات متعددة من الثقافات القديمة، تركت أثراً عميقاً في وعيه الفني. لقد وجد في تلك الأطلال، مع تآكل الطبقات المختلفة بفعل الزمن، كنوزاً صغيرة كانت تشكل رابطاً بأزمنة غابرة، وهو ما أثار إعجابه منذ صغره.

ولد نبيل نحاس في بيروت عام 1949، ونشأ في القاهرة قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة عام 1968. تخرج في «جامعة ولاية لويزيانا» ثم «جامعة ييل»، وانتمى إلى الجيل الثاني من التعبيرية التجريدية الأمريكية. أعماله الحالية تمزج ببراعة بين معالم المراحل التاريخية المختلفة التي شكلت هويته اللبنانية.

على الرغم من إقامته غالباً في نيويورك، إلا أن محترفه في لبنان، وتحديداً في بلدة عين عار الجبلية، كان البوتقة التي اختمر فيها هذا التجهيز الفني. يقع المحترف في منزل قديم كان معملاً للحرير، وهو يتحول إلى متحف لأعماله وللفنانين الكبار الذين يكن لهم تقديراً.

«تعدُّد بلا حدود»: فهم أعمق للعمل الفني

يرى نحاس نفسه جسراً يربط بين ثقافات متعددة، ومع ذلك يؤكد أنه «رغم 55 سنة عشتها في أميركا، بقيت لبنانياً خالصاً، أنتمي إلى هذه البقعة من بلاد الشام. وأعمالي تتحدث عن الانتماء القوي الذي يسكن نفسي». يستمد وحيه من الأشجار المحيطة بمنزله اللبناني، والحقول التي اعتاد عبورها، والشواطئ، والسماء ونجومها، وهي عناصر تتجسد في جداريته.

تُظهر أعمال نحاس تعلقاً واضحاً بالأرض، من رسم الجذور إلى الجذوع والأغصان التي تتجه نحو السماء. ويُعد الشجر، وخاصة الأرزة، عنصراً أساسياً في عمله، حيث يمنحها بعداً جديداً، تاركاً لأغصانها أن تتمدد أفقياً وتختلط خضرتها بزرقة السماء في عناق مجازي.

تصف منسقة الجناح، ندى غندور، التجهيز بأنه عمل «فلسفي ورمزي في وقت واحد»، حيث يعيش الزائر تجربة قبلولوج الوصول إلى التفسيرات. اللوحات تحمل في خلفياتها أبعاداً ثقافية وفنية وروحانية متداخلة. لا يركز نحاس على الجانب الديني بالمعنى التقليدي، بل على المدى الروحاني، مما يفسر تكرار رموزه بأشكال مختلفة، مثل النجوم ولولبيات الخطوط التي تستدعي الرقصة المولوية والدوائر اللامتناهية.

يمكن قراءة اللوحات في أي اتجاه، فهي لم تُرتّب لتروي قصة خطية، بل لتقديم رؤى يترك للفنان حرية جمعها. يستند نحاس في هذه الرؤى إلى مفهوم «الكونية» المستوحاة من المنمنمات الفارسية، حيث لا يقتصر التجريد الهندسي على الغرب، بل يمتزج بروح الزخرف الإسلامي بأسلوب تركيبي وتفكيكي.

تُظهر الرموز المستخدمة، مثل أصداف البحر التي تشبه النجوم، رؤية نحاس للعالم، حيث يتلاشى الفرق بين ما هو أرضي وما هو سماوي. هذه الأفكار يعكسها الفنان في جداريته، مؤكداً على وحدة الكون وتداخله.

يستمر الجناح اللبناني في «بينالي البندقية» حتى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، برعاية وزارة الثقافة وتنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية». التصميم السينوغرافي للجناح حمل توقيع شارل كتّانة ونيكولا فيّاض.

ما التالي: يترقب الوسط الفني ردود الفعل على هذا العمل المبتكر، خاصة وأن «بينالي البندقية» يعد من أهم المحطات الفنية العالمية. يبقى التحدي في كيفية تفاعل الجمهور مع هذه التجربة الفنية المعقدة، وكيف ستُسهم في تعزيز صورة لبنان الفنية والثقافية على الساحة الدولية، خاصة في ظل الظروف الراهنة.

شاركها.
Exit mobile version