في خطاب هو الأطول على الإطلاق لرئيس أميركي أمام جلسة مشتركة للكونغرس، استعرض دونالد ترمب رؤية إدارته للسياسات الداخلية والخارجية، معلنًا بدء العصر الذهبي لأميركا وسط صيحات استهجان من عدد البرلمانيين الديموقراطيين، في إشارة إلى مدى الانقسام الذي يُعانيه الكونغرس بسبب التوترات التي تسود البلاد منذ عودة الملياردير الجمهوري إلى البيت الأبيض.
وبعد مرور شهر ونصف على بدء ولايته الثانية، استهلّ ترمب خطابه أمام الكونغرس بعبارة “أميركا عادت”، مضيفًا أنّ “الحلم الأميركي ينمو أكبر وأفضل من أي وقت مضى، ولا يُمكن إيقافه، وبلادنا على وشك تحقيق عودة لم يشهد العالم مثيلًا لها من قبل، وربما لن يشهد مثيلًا لها مجددًا”.
وما أن بدأ ترمب بإلقاء خطابه حتى قام عدد من البرلمانيين الديموقراطيين بإطلاق صيحات استهجان لمقاطعته، بينما رفع آخرون لافتات تُندّد بسياساته.
وعندما تواصلت صيحات الاستهجان، هدّد رئيس مجلس النواب مايك جونسون بإخراج مطلقيها من القاعة إذا لم يكفّوا عنها، فرفض النائب المخضرم من ولاية تكساس آل غرين الاستجابة ووقف رافعًا عصاه وصاح بوجه الملياردير الجمهوري.
وفي خطوة نادرًا ما تحدث في الكابيتول، عمد موظفو الكونغرس إلى مرافقة المشرّع إلى خارج القاعة أمام ناظري ترمب.
في المقابل، صفق البرلمانيون الجمهوريون بحرارة لترمب، وهم يهتفون باسم بلدهم: “يو إس إيه! يو إس إيه! يو إس إيه!”.
وشهد الخطاب انسحاب عدد من المشرّعين، بدأ بانسحاب السيناتور المستقل بيرني ساندرز، وبعد نحو 30 دقيقة من الخطاب خلعت النائبتان عن ولاية أوريغون ماكسين دكستر وأندريا ساليناس، سترتهما للكشف عن قمصان سوداء مكتوب على ظهرها “قاوم”، قبل خروجهما بسرعة من الغرفة، وانضمت إليهما النائبة ميلاني ستانسبيري من نيو مكسيكو.
كما ارتدى نواب ديموقراطيون الأصفر والأزرق لوني العلم الأوكراني، في لفتة أرادوها دعمًا لأوكرانيا بعد أن قرّر ترمب قطع المساعدات العسكرية الأميركية عن كييف، في أعقاب مشادة غير مسبوقة في المكتب البيضوي بينه وبين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
الحرب على أوكرانيا
واستمرّ خطاب ترمب ساعة و40 دقيقة، قال فيه إنّه خلال 43 يومًا من ولايته الحالية “أنجز أكثر ممّا أنجزته معظم الإدارات الأميركية في أربع أو ثماني سنوات، وما زلنا في البداية”.
ولم يفوّت الرئيس الجمهوري أي فرصة لمهاجمة خصومه الديموقراطيين، حيث وصف الرئيس السابق جو بايدن بأنّه “أسوأ رئيس في تاريخ أميركا”.
وقال: “أنظر إلى الديمقراطيين أمامي وأدرك أنّه ليس هناك ما أستطيع فعله لإرضائهم”، مضيفًا: “إنه لأمر محزن للغاية ولا ينبغي أن يكون على هذا النحو”.
وأعلن ترمب في خطابه، أنّه تلقّى رسالة من زيلينسكي يبلغه فيها بأنه “مستعدّ” للتفاوض مع روسيا لوقف الحرب، ولتوقيع “في أي وقت” اتفاقية مع الولايات المتحدة تمنحها حقّ استغلال المعادن الأوكرانية النادرة.
وقال ترمب: “لقد تلقيتُ رسالة مهمة من الرئيس الأوكراني زيلينسكي. تقول الرسالة: إنّ أوكرانيا مستعدّة للجلوس إلى طاولة المفاوضات في أقرب وقت ممكن للاقتراب من سلام دائم”.
وأشار ترمب إلى أنّه في الوقت نفسه، أجرى محادثات جدية مع روسيا و”تلقينا إشارات قوية بأنهم مستعدون للسلام”، مضيفًا: “ألن يكون هذا رائعًا؟”.
حرب تجارية
ودافع ترمب عن سياساته الاقتصادية، معترفًا في الوقت نفسه أنّ الرسوم الجمركية التي باشر بفرضها على دول عدة قد تتسبّب “ببعض الاضطرابات” في اقتصاد الولايات المتحدة.
وقال الملياردير الجمهوري: إنّ “الرسوم الجمركية ستجعل أميركا غنية وعظيمة مرة أخرى؛ وستكون هناك بعض الاضطرابات، لكنّ تأثيرها لن يكون كبيرًا”.
وحذّر من أنّ أولئك الذين لا يصنعون منتجاتهم في الولايات المتحدة سيضطرون إلى دفع رسوم جمركية “ستكون في بعض الحالات كبيرة إلى حد ما”.
كما هاجم ترمب الاتحاد الأوروبي ودولًا مثل كندا والبرازيل والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية بسبب ما اعتبرها ممارسات تجارية “غير عادلة”.
وقال: “لقد تعرّضنا للاستغلال على مدار عقود من جانب كل دولة على وجه الأرض تقريبًا، ولن نسمح بذلك بعد الآن”.
وأضاف أنّ الولايات المتّحدة ستفرض على شركائها التجاريين في 2 أبريل/ نيسان المقبل تعرفات جمركية مماثلة لتلك المفروضة عليها.
وعند حديثه عن سياسته في ما يخصّ التخفيضات الضريبية، رفعت عضو مجلس النواب رشيدة طليب لافتة كُتب عليها “ادفع ضرائبك أولًا”.
غرينلاند وبنما
وأعرب ترمب مجددًا عن رغبته بالسيطرة على غرينلاند، مؤكدًا لسكان الإقليم الدنماركي المتمتّع بحكم ذاتي أنّ الولايات المتّحدة “ستحافظ على سلامتكم”.
وقال: “نحن بحاجة إلى غرينلاند حقًّا من أجل الأمن العالمي الدولي، وأعتقد أنّنا سنحصل عليها. بطريقة أو بأخرى، سنحصل عليها؛ معًا، سنأخذ غرينلاند إلى آفاق لم تتخيّلها من قبل”.
كما أعلن أنّ بلاده باشرت “استعادة” قناة بنما، وذلك إثر إبرام شركة من هونغ كونغ اتفاقًا مبدئيًا مع كونسورتيوم أميركي لبيعه ميناءين يقعان على طرفي القناة.
وقال: “من أجل تعزيز أمننا القومي بشكل أكبر، ستستعيد إدارتي قناة بنما، وقد بدأنا بالفعل في القيام بذلك. نحن نستعيدها”.
القضايا الأمنية والهجرة
وفي الشأن الداخلي، أعلن ترمب أنّ الولايات المتّحدة “لن تكون بعد اليوم يقظة”، وهو مصطلح مهين يستخدمه المحافظون لوصف ما يعتبرونه تشدّدًا مفرطًا في تلبية مطالب الأقليّات.
كما طلب من مجلس النواب الأميركي سرعة تمرير تشريع بالأموال التي طلبها لتنفيذ أكبر عملية ترحيل في التاريخ الأميركي.
وتعهّد بـ “شنّ حرب على عصابات المخدرات المكسيكية” التي تُشكّل “تهديدًا خطرًا للأمن القومي” للولايات المتّحدة.
وقال إنّ “العصابات تشنّ حربًا على أميركا، وقد حان الوقت لأميركا لأنّ تشنّ حربًا على العصابات، وهذا ما نفعله”، مذكّرًا بأنّه أدرج العديد من هذه الكارتيلات على قائمة المنظمات الإرهابية.


