باريس- رفعت رئيسة جمعية “أصدقاء فلسطين” هاجر بركوس (31 عاما) شكوى على القاضي الفرنسي كريستيان ليغاي بعد تعرضها لموقف وصفته “بالصادم والعنصري” داخل محكمة مدينة نيس في مطلع شهر فبراير/شباط الجاري، حيث قام بطردها من قاعة المحكمة بسبب ارتدائها الحجاب، لاعتباره أنها “غير قابلة للتعرف عليها ولا يمكن تحديد هويتها”.
وقررت الناشطة الطعن في ما فعله القاضي وإحالة الأمر إلى الجهات المختصة أمام القضاء الفرنسي، مبررة ذلك بقولها “حتى لا نتيح الفرصة لتكرار السلوك نفسه مع سيدات أخريات ووضع حد لهذه العقلية التمييزية وقول كفى للعنصرية وكراهية الإسلام في فرنسا”، على حد تعبيرها.
ما القصة؟
بدأت القصة في الأسبوع الأول من شهر فبراير/شباط الجاري عندما ذهبت هاجر لحضور جلسة استماع للتضامن مع ناشطة داعمة للقضية الفلسطينية تتم محاكمتها بتهمة التحريض على الكراهية، بسبب دعوتها على منصات التواصل الاجتماعي لمقاطعة مطعم يُزعم أن مديريه صهاينة.
وفي حديثها للجزيرة نت، قالت الناشطة هاجر وهي من أصول تونسية “جلست بهدوء في قاعة المحكمة، وفور دخول القاضي التفت إلي وأمرني بالمغادرة، بحجة أنه لا يمكن تحديد هويتي بسبب ارتدائي الحجاب”.
وأضافت “أخبرته أنني لم أفهم طلبه، لكنه فقد السيطرة وتحدث معي بطريقة عنيفة وعدوانية، قائلا: لا أهتم، اخرجي الآن! عليك مغادرة القاعة الآن”. ورغم صدمتها واحتجاجها على هذا التصرف، اضطرت إلى الخروج من قاعة المحكمة برفقة 4 من عناصر الشرطة.
وترى هاجر أن هذا الأمر “غير مقبول” لأن القاضي الفرنسي أساء استخدام سلطته، وقالت “أعلم أننا كنساء محجبات ضحايا ونعاني من هذا النوع من التمييز في الشارع والمدارس والعمل، لكن ما يصدمني بشدة هو التعرض لهذا الموقف من قاضٍ يُفترض أنه يحترم القيم الجمهورية والحرية والعدالة، وقبل كل شيء العلمانية، وهنا تكمن خطورة الأمر”.
تحرك قانوني
ومن وجهة نظر قانونية، أوضحت المحامية ميراي داميانو أن رئيس المحكمة يملك ما يسمى “بشرطة جلسة الاستماع”، مؤكدة في الوقت ذاته أن ذلك لا يعطيه الحق في إجبار أي شخص -سواء أكان رجلا يرتدي عمامة أو امرأة محجّبة- على مغادرة المحكمة لأن هذا سيعدّ إجراء تمييزيا.
وأضافت داميانو المكلفة بقضية هاجر، في حديث للجزيرة نت، “عندما أخبرت القاضي أننا نستطيع رؤية وجه هذه الشابة بشكل مثالي ولا يوجد سبب لتطلب منها المغادرة، رد علي بعنف: في كلتا الحالتين، إما أن تخلع الحجاب أو تخرج”، ووصفت ما حدث “بالمشهد الدرامي”، متسائلة “أي صورة للعدالة والجمهورية نعطيها أمام مثل هذا القرار؟”.
وفي ضوء ذلك، اتصلت المحامية الفرنسية بهيئة “المدافع عن الحقوق” في فرنسا لإبداء رأيها بشأن الملف، وحتى تتمكن من التدخل في سياق شكوى التمييز، وطلبت عقد جلسة استماع ومقابلة رئيسة المحكمة لتنبيهها إلى سلوك قضاتها.
وبصفتها ممثلة لنقابة المحامين الفرنسيين، أشارت داميانو إلى أنها أرسلت رسالة قصيرة إلى المستشارية “لأن هذا النوع من الرسائل المتعلقة بالقضاة تذهب مباشرة إلى ملفاتهم الإدارية”، حسب توضيحها.
أما بالنسبة للشهود على هذه الواقعة، فقالت المحامية إنه ستتم الاستعانة بشهادة 3 محامين، فضلا عن أستاذ وطلاب وأشخاص آخرين كانوا حاضرين في ذلك اليوم.
ورغم استغراق هذا النوع من القضايا وقتا طويلا أمام المحاكم الفرنسية، قدم محامو هاجر بركوس شكوى باسمها، بانتظار اتخاذ قرار نهائي حول ما إذا كان الملف سيحال إلى المجلس الأعلى للقضاء أم لا.

مواقف أخرى
وخارج قاعة المحكمة، قالت هاجر إن 3 طالبات من مدرسة محلية غادرن القاعة أيضا، وتوضح “شاهدت إحداهن -وهي فتاة محجبة- تبكي وأخبرتني أنها كانت تخشى مهاجمتها وطردها من قبل القاضي بالطريقة ذاتها أمام زملائها الذين حضروا إلى جلسة الاستماع للتعرف عن قرب على عمل المحاكم برفقة أستاذهم”.
وأضافت هاجر أنها كانت ضحية للإسلاموفوبيا والتمييز مرات عدة، وتذكر أنها في عام 2017، عندما كانت طالبة في كلية الحقوق بجامعة مرسيليا، قال لها أستاذ القانون “لا يمكنك سماعي بسبب حجابك الذي تفتخرين به”.
وعلقت على هذا الموقف الذي لا يمكنها نسيانه “الأمر الأكثر إثارة للصدمة أن يأتي ذلك من أستاذ قانون يُفترض أنه على دراية عميقة بالقانون، ويعرف جيدا معنى العلمانية والحياد، وحق المواطنين في ممارسة دينهم من دون قيد أو شرط”.
كما تذكر أنها رفعت دعوى قضائية على إدارة مطعم “ماكدونالد” في نيس عام 2020 عقب إنهاء الشركة عقد عملها معهم بسبب ما وصفوه “بسوء السلوك المتعمد”، موضحة أن ذلك كان بسبب ارتدائها غطاء رأس وقميصا يصل إلى تحت الكوع بقليل.
بالإضافة إلى ذلك، ترى الناشطة أن التمييز تزايد بشكل خاص بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 فقد “أصبح الناس أكثر عدائية في كل مكان، وعندما نشارك في مظاهرات للتضامن مع فلسطين في مدينة نيس ينظر الناس إلينا بنظرة سيئة للغاية”.
من جانبها، أكدت المحامية ميراي داميانو أن تصرف القاضي يأتي ضمن تجارب سيئة وقعت بالفعل في عدد معين من المحاكم، سواء من قبل القضاء نفسه أو بالتوازي مع خدمات الشرطة، مشيرة إلى إعداد نقابتها استبيانا يسلط الضوء على هذا الخلل الوظيفي على وجه التحديد.