يؤكد الخبير القانوني الأمريكي كينيث روث، المدير السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، على أهمية القانون الدولي الإنساني كأداة لمعالجة الانتهاكات الجسيمة في مناطق النزاع مثل قطاع غزة والسودان وأوكرانيا، مشيراً في الوقت ذاته إلى التحديات الكبيرة التي يواجهها هذا القانون. وفي تحليل لآخر المستجدات، توصل روث إلى أن القانون الإنساني، على الرغم من عدم مواجهته لـ “تهديد وجودي”، إلا أنه بلغ “نقطة انهيار حرجة” جراء ما تشهده النزاعات المسلحة الحالية.

القانون الدولي الإنساني في مواجهة تحديات جسيمة

يرى روث أن تحديد ما إذا كان القانون الدولي الإنساني قد وصل إلى نقطة اللاعودة يعتمد بشكل أساسي على ردود الفعل الدولية تجاه استهداف المدنيين، وهو ما يظهر بوضوح في نزاعات تصل إلى حد الإبادة الجماعية، كما هو الحال في غزة والسودان. ورغم التباين في هذه الردود، إلا أنه يرى أنه من السابق لأوانه إعلان وفاة هذا القانون.

في سياق قطاع غزة، يشير روث إلى أن إسرائيل قد خرقت اتفاقيات جنيف، وهي حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني، من خلال القصف العشوائي للأحياء المدنية، واستهداف المدنيين عمداً، وحرمانهم من الضروريات الأساسية. وبينما عطلت الولايات المتحدة جهود مجلس الأمن الدولي باستخدام حق النقض (الفيتو)، إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان أصدرا إدانات متكررة، وشكلت آليات رصد خلصت إلى اتهام إسرائيل بارتكاب الإبادة الجماعية في غزة.

وتنظر محكمة العدل الدولية حالياً في قضية إبادة جماعية ضد إسرائيل، بينما وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. ومع ذلك، استمر الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، مما جعلها تبدو شريكة في هذه الانتهاكات، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار القانون.

ويتجلى وضع مماثل في أوكرانيا، حيث عرقلت روسيا، باستخدام حق النقض، تحركات مجلس الأمن، في حين أدانت الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان التدخل الروسي. وقد وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة روس آخرين، وفرضت دول عديدة عقوبات على روسيا، مما يجعل من الصعب قبول السلوك الروسي غير القانوني.

في المقابل، يلفت روث الانتباه إلى ردود فعل دولية أضعف تجاه الأوضاع المتأزمة في أفريقيا، مثل الحرب الأهلية في السودان وغزو رواندا لشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. هذه التناقضات في الاستجابة الدولية تسلط الضوء على التحديات التي تواجه إنفاذ القانون الدولي الإنساني.

دور المحكمة الجنائية الدولية والتحديات المستقبلية

يعتبر روث المحكمة الجنائية الدولية هي الهيئة الأنسب لإنفاذ القانون الدولي الإنساني ومحاكمة مرتكبي الانتهاكات. ومع ذلك، تواجه المحكمة تحديات جسيمة، بما في ذلك محاولات تقويضها من قبل دول مثل الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على مدعين عامين وقضاة. كما تعاني المحكمة حالياً من فراغ في منصب المدعي العام الرئيسي منذ أيار/مايو 2025، بسبب التحقيقات الجارية مع المدعي الحالي كريم خان.

هذا الوضع أعاق قدرة المحكمة على توجيه اتهامات علنية لمسؤولين إسرائيليين فيما يتعلق بحملة القصف على غزة أو توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، والتي تعتبر جريمة حرب. كما لم يتم توجيه اتهامات علنية لمرتكبي الفظائع في السودان أو شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولم يتم توجيه اتهام للرئيس ترامب ومسؤوليه لعرقلة سير العدالة.

يدعو روث الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وعددها 125 دولة، إلى التحرك العاجل لتعيين مدع عام دائم للمحكمة، مؤكداً على أن القانون الدولي الإنساني يواجه تحديات كبيرة. ويعرب عن أمله في رؤية ردود فعل أقوى على الانتهاكات والتجاوزات في مناطق النزاع، وشدد على ضرورة بذل جهود أكثر اتساقاً للدفاع عن الضحايا وإنفاذ القانون.

شاركها.
Exit mobile version