دمشق– يشكل الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف السورية، عند تقاطع الحدود السورية-العراقية-الأردنية، حلقة في مسار أوسع لإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في سوريا والمنطقة. انسحاب هذه القاعدة، التي استمر انتشار القوات الأمريكية فيها منذ عام 2016 في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، لا يُنظر إليه كخطوة عسكرية معزولة، بل كجزء من عملية إعادة تموضع أوسع للقوات الأمريكية في سوريا. خلال العام الماضي، شملت هذه العملية إخلاء ست قواعد، مما يثير تساؤلات حول انعكاسات هذه التحركات على التوازنات الأمنية والاستراتيجية في الجنوب السوري.

واستمدت قاعدة التنف، التي شكلت لسنوات عقدة جيوسياسية، أهميتها من موقعها الاستراتيجي الذي يتيح لها الإشراف على طرق حيوية تربط دمشق ببغداد، مع امتداد نفوذها إلى مساحات واسعة من البادية السورية. خلال فترة عملها، أدت القاعدة ثلاث وظائف رئيسية: مراقبة الحدود، وقطع خطوط الإمداد العابرة، ودعم فصيل محلي كان يتولى مهام أمنية في محيطها قبل دمجه لاحقًا ضمن هيكلية أمنية سورية.

عقدة طرق حيوية

مع اكتمال الانسحاب الأمريكي، انتشرت وحدات من الجيش السوري في المنطقة، بالتزامن مع نقل آلاف من معتقلي تنظيم الدولة إلى العراق. يعكس هذا التطور انتقال المسؤولية الأمنية الكاملة في هذا القطاع الحدودي إلى دمشق، مما يضع نهاية لفترة من الانتشار العسكري الأمريكي الذي بدأ كجزء من الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

حسابات الانسحاب

يشير العميد في الجيش السوري محمد الخالد إلى أن الانسحاب جاء بعد إتمام نقل مقاتلي تنظيم الدولة إلى العراق، وإنجاز التفاهمات الأمنية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية. وأوضح الخالد أن اتفاقًا بين القيادة الأمريكية والحكومة السورية قضى بانسحاب القوات الأمريكية عقب التقدم في الترتيبات الأمنية شرقي البلاد، على أن تتولى القوات السورية ملء الفراغ الأمني.

وأضاف الخالد أن واشنطن لم تعد ترغب في تكبد خسائر بشرية إضافية في بيئة البادية المعقدة، خاصة مع وجود شريك ميداني متمثل في الجيش السوري، القادر على مواجهة خلايا تنظيم الدولة بدعم جوي من التحالف الدولي. وأشار إلى أن هذه الخطوة جاءت بعد أشهر من اندماج فصيل “جيش سوريا الحرة” (المعروف سابقًا بمغاوير الثورة)، المتمركز في التنف، ضمن مظلة “أمن البادية” التابعة لوزارة الداخلية السورية.

تعريف الدور الأمريكي

يرى استشاري الشؤون السياسية الدكتور سامر الصفدي أن الانسحاب يعكس انتقال واشنطن من الوجود العسكري المباشر إلى استراتيجية الردع عن بعد. وأوضح أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر قاعدة التنف ضرورية لفرض توازن ميداني، معتمدة بشكل متزايد على أدوات المراقبة الجوية والشراكات المحلية في مكافحة الإرهاب. ويعتبر الصفدي أن هذه الخطوة تحمل دلالة سياسية تتجاوز بعدها العسكري، وتشير إلى استعداد أمريكي محتمل للاعتراف بقدرة الحكومة السورية على ضبط حدودها الجنوبية الشرقية، مما قد يفتح الباب أمام مقاربات أقل تصادمية بين واشنطن ودمشق.

وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أعلنت في أبريل/نيسان 2025 عن نيتها دمج قواتها في سوريا وتقليص عددها، مع الإبقاء على وجود محدود في مواقع محددة، مما يمثل تغييرًا في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

توازنات الجنوب

عسكريًا، يصف العقيد مصطفى الفرحات الانسحاب بأنه إنهاء لوجود أجنبي مباشر في نقطة استراتيجية ظلت خارج السيطرة الحكومية لسنوات. وأشار إلى أن استعادة الدولة لهذا المثلث الحدودي يعزز وحدة الجغرافيا العسكرية في الجنوب الشرقي، ويمنح القيادة السورية هامشًا أوسع لإدارة أمن البادية. ومع ذلك، يؤكد الفرحات أن هذا التطور لا يعني نشوء ميزان قوى جديد بالكامل، حيث تكمن التحديات الحقيقية في قدرة القوات السورية على تأمين مساحات صحراوية شاسعة كانت تشكل بيئة نشطة لخلايا تنظيم الدولة.

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع السورية مؤخرًا تسلم الجيش السوري لقاعدة الشدادي العسكرية في محافظة الحسكة، بعد تنسيق مع الجانب الأمريكي. وتعتبر هذه القاعدة نقطة استراتيجية هامة في منطقة الجزيرة السورية، نظرًا لموقعها الرابط بين محافظتي الحسكة ودير الزور.

قاعدتان للتحالف

فيما يتعلق بوجود التحالف الدولي، يوضح الباحث السياسي أنس شواخ أن قاعدتين أمريكيتين ما زالتا قائمتين في المنطقة: الأولى في رميلان وتضم قيادة للتحالف، والثانية قاعدة قسرك قرب تل تمر. تقع هاتان القاعدتان ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ويخلص الباحث عبد الله الخير إلى أن الانسحاب الأمريكي من التنف يعكس تبدلًا في أولويات واشنطن أكثر مما يشير إلى تحول جذري في بنية الصراع جنوبي سوريا. ويرى أن الأثر الاستراتيجي الحقيقي سيتحدد وفقًا لمستوى التنسيق الأمني بين دمشق وعمّان وبغداد، وقدرة الدولة السورية على ضبط البادية، وطبيعة الحضور الإيراني في المرحلة المقبلة. وبذلك، فإن ما يجري هو “تحول في آليات إدارة التوازن” أكثر منه تغييرًا في جوهره.

ما التالي: يترقب المراقبون ما إذا كانت الحكومة السورية ستنجح في تثبيت الأمن في الجنوب الشرقي ومنع أي فراغ ميداني، أو ما إذا كانت المنطقة ستعود إلى دائرة التجاذب الإقليمي بصيغ مختلفة.

شاركها.
Exit mobile version