الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: تحول جيوسياسي في القرن الأفريقي
في خطوة سياسية مثقلة بالرمزية والدلالات، أعلن الكيان الإسرائيلي اعترافه الرسمي بإقليم أرض الصومال، وهو حدث لا يمكن اعتباره عابرًا في سجل العلاقات الدولية. يأتي هذا الاعتراف في خضم اضطرابات إقليمية ودولية، خاصة مع تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة وتصاعد التنافس على ممرات البحر الأحمر والقرن الأفريقي. يبدو الاعتراف بمثابة إعادة لرسم خطوط الاشتباك الجيوسيوسي في منطقة تتقاطع عندها مصالح القوى الإقليمية والدولية.
تتجاوز أهمية هذا الحدث مجرد مكسب دبلوماسي لإسرائيل التي تبحث عن شرعية دولية، أو مناورة لكسر عزلتها. إنه يمثل فصلًا جديدًا في صراع الإرادات على الممرات البحرية والهوية السياسية في القرن الأفريقي. قراءة السياقات المحلية والإقليمية والدولية المحيطة به، واستشراف تحولاته المحتملة التي قد تتجاوز حدود الإقليم إلى عمق النظام الإقليمي العربي، أمر بالغ الأهمية.
أرض الصومال: من الوحدة إلى الانفصال والبحث عن الاعتراف
أحدث الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال، الذي تم مساء الجمعة 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، زوابع سياسية وردود فعل متباينة. شكلت هذه الخطوة، المفاجئة للكثيرين، إضافة جديدة إلى الديناميكيات السياسية في المنطقة، خاصة بعد العدوان على غزة.
تاريخيًا، تشكلت دولة الصومال الحديثة من اندماج إقليم صوماليلاند (المستقل عام 1960) وإقليم الصومال الإيطالي. إلا أن الاتحاد السياسي واجه صعوبات أدت إلى حروب أهلية وصراعات، نتج عنها في النهاية إعلان استقلال إقليم الشمال الصومالي، المعروف بأرض الصومال، عام 1991.
الصراع بين أرض الصومال ومقديشو: جذور الاحتقان
عانى إقليم أرض الصومال، من وجهة نظره، من سياسات الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي اتهمتها بمحاولة جر الإقليم إلى نزاعات عسكرية وأزمات أمنية واقتصادية. من أبرز هذه النزاعات، الأزمة المستمرة في مدينة لاسعانود، التي اتهمت مقديشو بتأجيجها من خلال دعم قبائل معارضة لحكومة أرض الصومال.
وشهد الإقليم احتجاجات واضطرابات، اتهمت حكومة أرض الصومال فيها مقديشو وجيبوتي وإثيوبيا بالتورط في محاولة إشعال فتنة في مناطقه الغربية. كما واجهت أرض الصومال إجراءات حصار جوي وبحري من قبل مقديشو، هدفت إلى تقليص مواردها المالية.
زاد النهج التصعيدي لمقديشو تجاه مذكرة التفاهم بين أرض الصومال وإثيوبيا، التي منحت الأخيرة قاعدة عسكرية على سواحل الإقليم، من اتساع الفجوة السياسية. عززت هذه التصرفات قناعة قيادة أرض الصومال بأن الحكومة الفيدرالية تسعى لزعزعة استقرارها.
أرض الصومال في الحسابات الجيوسياسية الإسرائيلية
لا يمكن فصل التحرك الإسرائيلي عن سياق الصراعات الجارية وسعي إسرائيل لإعادة تشكيل المنطقة. يكتسب موقع أرض الصومال الاستراتيجي، المطل على البحر الأحمر، أهمية خاصة في المشاريع الجيوسياسية الإسرائيلية التي تهدف إلى إضعاف دول المنطقة وابتلاعها.
استفادت إسرائيل من العزلة السياسية التي واجهتها أرض الصومال، مقابل تجاهل عربي لهذه الأزمة العميقة. ترى إسرائيل مصالح استراتيجية في هذا الاعتراف، بما في ذلك استخدامه كمنصة لعمليات محتملة ضد الحوثيين، أو كقاعدة للمراقبة الاستخباراتية في القرن الأفريقي.
يسعى هذا الاعتراف أيضًا إلى تقليص الدور التركي المتزايد في المنطقة، وتأمين النواقل الإسرائيلية عبر مضيق باب المندب. كما يعد محاولة لتخفيف العزلة التي تواجهها إسرائيل دوليًا بسبب عملياتها في غزة.
اعتراف ذو مخاطر متبادلة
على الرغم من اعتبار أرض الصومال الاعتراف الإسرائيلي نصرًا، إلا أنه محفوف بالمخاطر. تواجه إسرائيل عزلة دولية وتحديات اقتصادية واجتماعية قد تحد من قدرتها على تقديم دعم فاعل لأرض الصومال.
من ناحية أخرى، أعلنت حركة الشباب رفضها القاطع للاعتراف، واعتبرت حكومة أرض الصومال “مرتدة”، وهددت باستهداف مصالح إسرائيلية وحكومية في الإقليم. كما هدد الحوثيون باستهداف أرض الصومال في حال استخدامها ضد عملياتهم.
يشكل الابتعاد العربي والتركي عن أرض الصومال، في ظل هذه التطورات، مخاطرة كبيرة. قد تؤدي الأزمة إلى تصعيد التوترات في المنطقة، وتهديد المصالح العربية، خاصة دول مثل السعودية ومصر.
ماذا بعد؟
يقع إقليم أرض الصومال حاليًا في مفترق طرق بين الحسابات العربية والإسرائيلية. الاعتراف الإسرائيلي، رغم ما قد يوفره من شق دبلوماسي، يثير تساؤلات حول تبعاته طويلة الأمد على استقرار الإقليم والمنطقة. المستقبل القريب سيشهد ما إذا كانت الحكومات العربية والإقليمية ستتمكن من صياغة مقاربة استراتيجية لمعالجة جذور الأزمة الصومالية، أو ما إذا كانت ستستمر في نهج ردود الفعل، مما قد يفتح الباب لمزيد من الاضطرابات.

