قادة الجيش الإيراني يدرسون حرب العراق 2003 لتعلم دروس من هزيمة صدام
في خضم الحروب، تُختبر العقائد القتالية ميدانياً، وتُقاس فعاليتها تحت ضغط الواقع، لتبرز دروس تعيد تشكيل التفكير الاستراتيجي وتدفع الجيوش لمراجعة أساليب قتالها وبنيتها العسكرية في مواجهة التهديدات.
وبعد حرب طاحنة خاضتها إيران مع العراق بين عامي 1980 و1988، شهدت المنطقة انهيار الجيش العراقي في غضون ثلاثة أسابيع إثر غزو قادته قوات التحالف الأمريكي البريطاني عام 2003. دفع هذا الحدث قادة الجيش الإيراني إلى دراسة مجريات تلك الحرب، بهدف استخلاص دروس للمستقبل، خاصة تحسباً لأي حرب محتملة ضد الولايات المتحدة.
أسباب انهيار الجيش العراقي
بدأ الغزو الأمريكي للعراق في 19 مارس/آذار 2003، وانتهى رسمياً بوصول القوات الأمريكية إلى بغداد في 10 أبريل/نيسان. ورغم هذا الانتصار السريع الذي يُعزى غالباً للتفوق العسكري والتكنولوجي لقوات التحالف، إلا أن التفسير الكامل يكمن في تفاعل عوامل مرتبطة بطبيعة الدولة العراقية آنذاك، وآليات اتخاذ القرار فيها، ومستوى الإدراك الاستراتيجي للقيادة، وبنية المؤسسة العسكرية، وسلوك الوحدات في الميدان وحالة المعنويات.
بحسب شهادات كبار الأسرى من قادة النظام العراقي السابق، استندت القيادة العراقية إلى ثلاث فرضيات رئيسية عند دخول الحرب. أولها، احتمال عدم شن الولايات المتحدة للحرب أصلاً بفعل الضغوط الدولية، وثانيها، أن أي عمل عسكري سيكون محدوداً بضربات جوية أو احتلال بعض المدن جنوب العراق، وثالثها، أن الجيش العراقي سيكون قادراً على الصمود لأشهر وتكبيد القوات الأمريكية خسائر فادحة. انعكست هذه الافتراضات الخاطئة على الاستعدادات العسكرية، وتأخر تنفيذ إجراءات دفاعية كان يمكن أن تزيد من صعوبة الغزو.
مركزية القرار وثقافة الخوف
ارتبطت هذه الفرضيات الخاطئة بطبيعة صنع القرار المتسمة بالمركزية العالية في النظام العراقي، حيث احتكر الرئيس صدام حسين سلطة اتخاذ القرار العسكري، وتدخل في تفاصيل الخطط والعمليات. أدى ذلك إلى شلل في القيادة، وبطء في اتخاذ القرار، وانعدام المرونة، وافتقاد روح المبادرة.
بالإضافة إلى ذلك، بيئة قائمة على الخوف وغياب المصارحة دفعت القادة العسكريين لتقديم صورة مضللة عن جاهزية قواتهم. كان الضباط يخشون من مصارحة الرئيس بالواقع، مما أدى إلى بناء القرارات على معلومات غير صحيحة، وترسخت “ثقافة الخداع الذاتي” داخل المؤسسة العسكرية، حيث تبادل الضباط تقارير غير صحيحة خوفاً من العقاب.
الأولوية للأمن الداخلي
لعبت طبيعة الدولة الأمنية دوراً مهماً في إضعاف القدرة القتالية للجيش. فقد أعطى صدام أولوية قصوى لحماية أمنه الشخصي، ما انعكس على بناء مؤسسة عسكرية متعددة التشكيلات ذات سلاسل قيادة منفصلة. تم تعيين أفراد من عائلته وقبيلته في المناصب العسكرية الرئيسية، مما أضعف كفاءة القيادة.
فرضت قيود صارمة على حركة الوحدات، ومنعت القادة العسكريين من نقل قواتهم أو التنسيق مع وحدات مجاورة دون إذن مركزي. كما مُنعت وحدات الجيش النظامي أو الحرس الجمهوري من دخول العاصمة. هذه القيود عرقلت القدرة على إعادة التموضع أو دعم بعضها البعض في ساحة المعركة، وساهمت في إضعاف خطوط الدفاع.
فشل الإستراتيجية الدفاعية
بلغ حجم الجيش العراقي وقت الحرب أكثر من 350 ألف جندي، نظمت ضمن 17 فرقة من الجيش النظامي و6 فرق من الحرس الجمهوري، مدعومة بأعداد كبيرة من الدبابات وناقلات الجند المدرعة والمدفعية. اعتمدت الاستراتيجية العسكرية العراقية على نشر قوات الجيش للدفاع عن الخطوط الأمامية، ونشر فرق الحرس الجمهوري للدفاع عن مداخل بغداد، وتخصيص الميليشيات الحزبية لمواجهة الاحتجاجات.
اتسمت الاستراتيجية الدفاعية العراقية بسوء التصميم والتنفيذ. ظلت العديد من وحدات الجيش النظامي متمركزة في مواقع غير ذات صلة بالتهديدات الآنية، مثل الانتشار بمحاذاة الحدود الإيرانية بينما جاء الغزو من جهة الكويت. كما أن الدفاع عن بغداد اعتمد على مواقع مكشوفة، بدلاً من استثمارها في قتال حضري. لم تتخذ إجراءات أساسية لإبطاء حركة القوات الأمريكية، مثل زرع الألغام أو تدمير الجسور.
تفكك القوات المسلحة
رغم حجم الجيش العراقي، كشف سلوك الوحدات في الميدان عن غياب للقتال المنظم. غالباً ما واجهت القوات الأمريكية اشتباكات محدودة ومتقطعة. تعرضت الوحدات المتوقع أن تبدي مقاومة قوية للاستنزاف والتفكك بفعل القصف الجوي قبل أن تتمكن من خوض القتال.
لعبت الضربات الجوية دوراً نفسياً مهما، دفعت الجنود إلى الابتعاد عن المعدات الثقيلة والتخلي عنها خوفاً من الاستهداف، مما أدى إلى “التسريح الذاتي”. سادت قناعة بأن مواجهة القوات الأمريكية المتفوقة تكنولوجياً ستكون بلا جدوى، وغاب الدافع للقتال من أجل نظام البعث.
نتيجة لتفاعل هذه العوامل، تفككت منظومة القيادة والسيطرة، وانهارت الإرادة القتالية، وسقطت بغداد في ظل تفكك داخلي سبق وصول القوات الأمريكية إليها.
الدروس الإيرانية
بعد غزو العراق، سعت إيران إلى فهم كيف يمكنها بناء قدرة ردع عسكرية في ظل افتقارها لقدرات جوية مماثلة للولايات المتحدة. تم التركيز على مركزية القرار في الحالة العراقية كعامل ضعف، ودفعت إلى إعادة النظر في بنية القيادة والسيطرة عبر توزيع الصلاحيات وتطوير نماذج تنظيمية تسمح للوحدات بالعمل باستقلالية، بما يضمن استمرار العمليات حتى في حال انقطاع الاتصال بالمركز، والمعروفة بعقيدة “الموزاييك” أو “الفسيفساء”.
كما كشفت تجربة العراق أن تموضع القوات في تشكيلات كبيرة ومكشوفة يجعلها أهدافاً سهلة، ما أدى إلى تطوير إيران لتقليل قابلية الانكشاف عبر توزيع القدرات العسكرية وإخفائها في منشآت محصنة. وركزت إيران على تطوير منظومات صاروخية قادرة على توجيه ضربات بعيدة المدى. وأظهرت تجربة العراق أن انهيار المعنويات كان عاملاً فاعلاً في تفكك الجيش، مما دفع إيران إلى تعزيز الدافعية القتالية المبنية على عناصر عقائدية وأيديولوجية.
في ظل الاعتماد الأمريكي على تحقيق الحسم السريع، تبنت إيران تصوراً مختلفاً يقوم على إطالة أمد الصراع، لتحويل الزمن إلى عنصر استنزاف للخصم. إن فهم تطور العقائد العسكرية بناءً على الدروس المستفادة من الحروب، كما يتضح من تجربة العراق وما أعقبها من تحولات في التفكير الإيراني، يمثل مدخلاً لفهم كيفية تشكيل الجيوش لبنيتها بما يتناسب مع طبيعة التهديدات.

