مع انعقاد الاجتماع الأول لـ”مجلس السلام”، انتقلت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من إطار الإعلان السياسي إلى حيز التفعيل المؤسسي، وسط تعهدات مالية وخطط أمنية وإدارية لإدارة قطاع غزة، في خطوة يراها مؤيدوها مسارا متدرجا نحو الاستقرار، في حين يحذر منتقدوها من فجوة واسعة بين الوعود والواقع.
وخلال الاجتماع، أكد الرئيس الأمريكي التزام بلاده والمجتمع الدولي بجعل غزة “مكانا أفضل” وتحسين منظومة الحكم فيها، معلنا تخصيص 10 مليارات دولار لقطاع غزة عبر مجلس السلام. في هذا السياق، اعتبر تيم كونستانتين، نائب رئيس تحرير صحيفة واشنطن بوست، أن جوهر الاجتماع تمثل في جمع قادة من مستويات مختلفة حول خطة من 20 بندا، تشهد تقدما.
إسرائيل بين التأثير والتعطيل
من جهته، قدم الخبير بالشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى قراءة مركبة للموقف الإسرائيلي، لافتا إلى أن “تدويل” ملف غزة لا يخدم الأجندة الإسرائيلية بالكامل، لكنه في الوقت ذاته ينسجم مع طرح تل أبيب بشأن ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح.
وشدد مصطفى على أن غياب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الاجتماع، يعكس رغبة تل أبيب في إبقاء موقفها ضبابيا وعدم الالتزام العلني بمخرجات قد تقيد هامش تحركها، خصوصا في ما يتعلق بالانسحاب من القطاع.
وعود بلا ترجمة؟
في المقابل، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة أن الحديث عن “منعطف” سابق لأوانه، مؤكدا أن الوعود المالية والأمنية لم تُترجم ميدانيا حتى الآن، في ظل استمرار توصيف غزة كأزمة إنسانية وأمنية، دون سقف سياسي واضح يعالج جوهر القضية.
أما الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، فرأى أن الأولوية بالنسبة لسكان غزة تبقى إنسانية وإغاثية، في ظل استمرار القتل اليومي. وأشار إلى أن الفجوة لا تزال كبيرة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
مسار بديل للأمم المتحدة
وضع الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بلال سلايمة الاجتماع في سياق أوسع بدأ بإعلان خطة ترمب وصدور قرار مجلس الأمن 2803، معتبرا أن ما جرى يمثل حلقة في مسار مؤسسي متكامل.
لكن سلايمة أشار إلى محدودية المشاركة الدولية، خاصة غياب القوى الأوروبية الكبرى، مرجحا أن يكون ذلك مرتبطا بمخاوف من تحول المجلس إلى إطار موازٍ أو منافس للأمم المتحدة.
أولويات متباينة
اعتبر أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات أن الأولوية الفعلية للمجلس لا تتمثل في غزة بقدر ما ترتبط بأجندات الأطراف المشاركة. ولفت إلى أن جزءا من التعهدات المالية مخصص لميزانية المجلس نفسه، لا لبرامج إعادة الإعمار مباشرة.
في خضم التفاؤل الحذر والدعوات إلى التريث، يبدو أن الاجتماع الأول لمجلس السلام قد دشّن مسارا سياسيا جديدا، لكنه لم يحسم بعد قدرة هذا المسار على تجاوز تعقيدات الوضع الراهن.
وكان ترمب قد أعلن في 16 يناير/كانون الثاني الماضي تشكيل “مجلس السلام” الذي يتزعمه، وذلك بناء على خطته المعلنة لإيقاف الحرب على غزة، والتي تبناها لاحقا مجلس الأمن الدولي بالقرار رقم 2803. ومن المفترض أن يشرف مجلس السلام على إدارة المرحلة الانتقالية في غزة وتنسيق جهود إعادة الإعمار والمساعدات الدولية، والمساهمة في ترتيبات أمنية انتقالية ونشر قوة استقرار دولية.

