طهران – في تطور دراماتيكي، تحولت التصريحات الإيجابية عقب الجولة الأخيرة من المفاوضات النووية بجنيف إلى تهديدات أمريكية بشن هجوم عسكري على إيران في حال عدم توصلها إلى اتفاق بغضون 15 يوماً، مما يشير إلى بلوغ التوتر المتواصل بين الجانبين مرحلة مصيرية.
وعلى وقع تحشيد عسكري متزايد بالمنطقة، تتجه الأنظار نحو العاصمة السويسرية، حيث تُعقد الجولة الثالثة من المفاوضات المقررة يوم الخميس المقبل لبحث مسودة مقترح إيراني لصياغة اتفاق محتمل، تراه طهران “في متناول اليد”.
وتشير تسريبات إعلامية إلى أن الورقة الإيرانية ستمثل أقصى ما يمكن تقديمه من تنازلات على طاولة المباحثات لإنقاذ المسار الدبلوماسي. ويرى مراقبون أنه في حال لم يحظ المقترح برضا واشنطن وتعذر على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويقه داخلياً كإنجاز كبير، سيدخل الملف النووي هذا الأسبوع منعطفاً حاسماً: إما اتفاق في اللحظات الأخيرة، أو الدخول في نفق مظلم من التصعيد.
محرك الصراع في المفاوضات النووية
يستشرف الأكاديمي الباحث في العلاقات الدولية، ياسر شاماني، بلوغ المفاوضات الجارية طريقاً مسدوداً واندلاع حرب محدودة بين طرفيها خلال المرحلة المقبلة. ويرى أن المصالح هي التي تحدد سياسات القوى العالمية في النظام الحالي، لكن المنافع التي يبحث عنها الرئيس الأمريكي تتصادم مع الأيديولوجيا الإيرانية، مما يجعل من المستحيل على طهران تقديم تنازلات جوهرية.
يشرح شاماني أن المحادثات في مسقط وجنيف حققت تقدماً محدوداً، لأن الجمود القائم لا يرجع سببه فقط إلى انعدام الثقة، بل إلى الخلاف على مقومات القوة الصلبة. فتعتبر إيران أن التخصيب والقدرات الصاروخية أدوات لضمان البقاء في بيئة إقليمية مضطربة، بينما ترى واشنطن في هذه المقومات علامة على تحول تدريجي في موازين القوة.
ويضيف شاماني أن السبب الرئيسي للصراع الإيراني الأمريكي ليس ثنائياً، بل يجب البحث عنه في تل أبيب. ويرى أن إسرائيل لن تسمح بتهدئة دائمة بين طهران وواشنطن، وتتحرك بكل ثقلها لإفشال أي تقارب محتمل. حتى لو أسفرت المفاوضات الحالية عن اتفاق، “فإن النتيجة لن تكون مرضية لأمريكا وإسرائيل وسنعود مجدداً إلى التوتر”.
ويمثل انسحاب الاتفاق النووي عام 2018، وما تلاه من حملات ضد إيران، مؤشراً على أن الولايات المتحدة ليست لاعباً موثوقاً به، وفق قناعة طهران.
معركة الهيمنة والملف النووي
يعتقد الباحث شاماني أن المواجهة الحالية بين طهران وواشنطن هي حلقة في سلسلة أطول من التنافس العالمي بين القوى العظمى، حيث تلعب إيران دور “الورقة الرابحة” التي تسعى كل من القوى الشرقية والغربية لضمها إلى محورها في معركة الهيمنة الدولية.
ويوضح أن روسيا والصين تسعيان إلى تشكيل ثالوث شرقي مع طهران، بينما تريد أمريكا وأوروبا دمج إيران في النظام العالمي الذي تطمحان إليه. ومن يستطيع ضمها إلى جانبه يمكنه إضعاف الطرف المقابل.
وبذلك، تصبح طهران -وفقاً له- “ساحة للمنافسة” أكثر من كونها لاعباً مستقلاً. وكل قرار أو إجراء في الملفين النووي والصاروخي، أو النفوذ الإقليمي الإيراني، هو جزء من تصميم أمريكي أكبر هدفه الضغط عليها قبل التركيز الرئيسي على الصين.
ويشير الباحث إلى أن طهران، كلما اقتربت من القوى الغربية أو الشرقية تلقت ضربات، ولذلك حاولت الاعتماد على قواها الذاتية وتشكيل محور المقاومة. وفي الظروف الراهنة، وبما أن طهران تلقت أكبر الضربات من الجانب الغربي، فإنها ترى في القوى الشرقية دعماً حقيقياً.
ويرسم الباحث صورة قاتمة للمستقبل القريب، مؤكداً أن المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها الحشد العسكري أكثر كثافة، والمفاوضات وصلت إلى نقطة احتكاك القوة. وسيبقى اللاعبون الأساسيون يراقبون تطوراتها ويعيدون تعريف العتبات والخطوط الحمر.
جولة حاسمة لمستقبل إيران النووي
من جانبه، يرى الباحث في العلاقات الإيرانية الأمريكية، أمير علي أبو الفتح، أن مفاوضات جنيف-2 ستكون حاسمة، حيث سترتبط نتائجها بشكل وثيق بمحتوى حزمة المقترحات التي ستقدمها طهران. ويشير إلى أن إخفاق الطرح الإيراني في تلبية مطالب الجانب الأمريكي “قد يؤدي إلى زيادة التوتر، لكنه لا يعني بالضرورة بدء الحرب”.
ويؤكد أبو الفتح على طبيعة المواجهة الحالية التي تجمع بين مسارات دبلوماسية نشطة وحشود عسكرية مكثفة. وتعكس الأخبار المتقطعة الإيجابية عن سير المفاوضات، المقترنة بوتيرة التصعيد العسكري المقلقة، ازدواجية المشهد الحالي.
ويصف أبو الفتح واقع المجتمع الإيراني المعقد في ظل التهديدات المتصاعدة، حيث تنقسم الآراء والمشاعر بين الخوف والأمل والغضب، مما يجعل الشارع الإيراني “أشبه بلوحة فسيفسائية من المشاعر المتضاربة”.
ويؤكد الباحث على أن طهران أعدت نفسها لجميع السيناريوهات. وبعيداً عن نتيجة الجولة المقبلة من المفاوضات، فإن المؤسسة العسكرية ستظل على أهبة الاستعداد، بينما ستواصل مساعيها لاستكمال المسار السياسي، وهو ما يعكس استراتيجية إيرانية تهدف إلى تحقيق أقصى مكاسب ممكنة مع تقليل المخاطر.
في الوقت الذي تهدد فيه واشنطن بشن هجوم على طهران إذا لم تتوصل لاتفاق، تتحرك إيران على خطين متوازيين: المبادرة بخطة دبلوماسية لتجنب الحرب، وتعزيز قدراتها الردعية لمواجهتها. الأيام المقبلة كفيلة بتحديد أي السيناريوهين سيسود؛ هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة، أم تنزلق المنطقة إلى مواجهة واسعة النطاق؟

