كشف بحث أكاديمي حديث، تقدم به الباحث رشيد عاشور من جامعة ابن زهر بالمغرب، عن أهمية مفهوم “الدولة المدنية” في الفكر السياسي الغربي الحديث، مستعرضًا أصوله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. تأتي هذه الدراسة، التي نوقشت ضمن متطلبات الحصول على درجة الدكتوراه، لتلقي الضوء على هذا المفهوم الذي يُعد حاضرًا بقوة في الخطاب السياسي المعاصر، ولكنه غالبًا ما يُطرح بمعزل عن جذوره التاريخية والاجتماعية العميقة.
تؤسس الدراسة على فرضية رئيسية مفادها أن الدولة المدنية ليست مجرد صيغة قانونية، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل، تشكل في سياق تحولات عميقة شهدتها أوروبا منذ بدايات العصر الحديث. ارتبط ظهورها بتفكك النظام الإقطاعي، وصعود البرجوازية، وتطور الرأسمالية، وبروز فكرة العقد الاجتماعي، وتكريس مبدأ سيادة القانون. ومن ثم، فإن فهم الدولة المدنية لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذه السياقات البنيوية التي أعادت تعريفها عبر مراحل متعاقبة.
الفصل الأول: فصل الدين عن الدولة – الرؤى المؤسسة والرؤى الناقدة
يتناول هذا الفصل كيف أن مطلب “فصل الدين عن الدولة” لم ينشأ كقرار نظري معزول، بل كاستجابة تاريخية لصراع طويل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. فقد عرفت أوروبا ما قبل الدولة الحديثة تداخلاً عميقًا بين السلطتين، حيث كانت الكنيسة مؤسسة عابرة للحدود وتشارك في منح الشرعية للحكام. وكان الانتقال من شرعية قائمة على التفويض الإلهي إلى شرعية دستورية تعاقدية تحولًا كبيرًا في الفكر السياسي الحديث.
يرصد الفصل الخلفية التاريخية التي جعلت من العلاقة بين الكنيسة والدولة علاقة تنازع مستمر، وصولاً إلى ذروتها مع تشكل الدول الملكية المركزية. وتُعد الحروب الدينية الأوروبية من أهم العوامل التي دفعت باتجاه تصور سياسي يجعل السلام الأهلي ممكناً عبر تحييد النزاعات اللاهوتية في الحكم. في القسم المؤسس للرؤى المؤيدة للفصل، يركز الفصل على انتقال التفكير السياسي من تبرير السلطة بالاستناد إلى التفويض الإلهي، إلى تبريرها بالعقد والمصلحة العامة والأمن، مستحضرًا نماذج مثل توماس هوبز وجون لوك.
يمتد التحليل ليشمل مسار الإصلاح الديني (البروتستانتي) كمحطة أساسية، لكنه يوضح أن الإصلاح لم يُنتج الفصل تلقائيًا، بل ولد صراعات جديدة. ويتوقف الفصل عند مونتسكيو بوصفه من أبرز من ربط فكرة الدولة المدنية بمنطق ضبط السلطة عبر الفصل بين السلطات. كما يعرض القسم الناقد أطروحات ترى أن الفصل قد يتحول إلى أداة هيمنة جديدة، أو قناع لإقصاء الدين من المجال العام بصورة انتقائية.
الفصل الثاني: الدولة المدنية والسياق الاجتماعي والاقتصادي لنشأتها
ينطلق هذا الفصل من فرضية مفادها أن مفهوم الدولة المدنية لم يكن نتاجًا فلسفيًا محضًا، بل تشكّل في سياق تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة رافقت الانتقال من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي الحديث. ولذلك، فإن فهم الدولة المدنية يقتضي تحليل البنية الاجتماعية التي احتضنتها، والطبقات التي دفعت نحوها، والمصالح التي عبّرت عنها.
يحلل الفصل تفكك النظام الإقطاعي الأوروبي، حيث كانت السلطة موزعة بين الإقطاعيات المحلية والكنيسة. مع توسع التجارة ونمو المدن وظهور طبقة برجوازية صاعدة، بدأت تتشكل علاقات إنتاج جديدة تقوم على الملكية الخاصة والعمل المأجور. هذا التحول الاقتصادي أوجد حاجة إلى نظام قانوني موحد يضمن العقود ويحمي الملكية، وهو ما مهد لظهور الدولة المركزية الحديثة.
يركز الفصل على دور البرجوازية بوصفها القوة الاجتماعية الأساسية في الدفع نحو الدولة المدنية، حيث ارتبطت المطالبة بسيادة القانون والمساواة أمام القضاء بالمصالح الاقتصادية لهذه الطبقة. ويتناول الفصل الثورة الصناعية باعتبارها محطة مفصلية في تعميق الحاجة إلى الدولة الحديثة، إذ أدى التوسع الصناعي إلى نشوء طبقة عاملة واسعة وظهور مشكلات اجتماعية غير مسبوقة، ما برزت معه الحاجة إلى تدخل الدولة لتنظيم علاقات العمل وتأسيس لبدايات الضمان الاجتماعي.
يناقش الفصل التحولات الديموغرافية والثقافية التي رافقت التمدن، حيث ضعف الروابط التقليدية وفرض نمط جديد من الانتماء قائمًا على المواطنة القانونية. كما يتوقف عند أثر التنوير في ترسيخ البعد العقلاني للدولة المدنية. ويبين الفصل أن الدولة المدنية لم تكن محايدة طبقيًا، بل عكست موازين القوى في المجتمع، وصولاً إلى تشكل دولة الرفاه في القرن العشرين. ويختتم بتحليل التحولات التي طرأت منذ سبعينيات القرن العشرين، مع صعود النيوليبرالية وتراجع دور الدولة الاجتماعي.
الفصل الثالث: الدولة المدنية والبنية السياسية الحديثة – السيادة، المواطنة، والمؤسسات
يتناول هذا الفصل البنية السياسية التي قامت عليها الدولة المدنية في الفكر الغربي الحديث، من خلال تحليل مفاهيم السيادة، والمواطنة، والفصل بين السلطات، وآليات الشرعية والتمثيل. وينطلق من أن الدولة المدنية ليست مجرد نتيجة لتحولات اجتماعية واقتصادية، بل هي بناء سياسي مؤسسي أعاد تنظيم السلطة في إطار قانوني عقلاني.
يبدأ الفصل بمفهوم السيادة بوصفه حجر الزاوية في نشأة الدولة الحديثة، حيث جرى نقل السيادة من شخص الحاكم إلى الأمة أو الشعب. ويناقش تطور مفهوم الشرعية من شرعية دينية أو وراثية إلى شرعية دستورية تعاقدية. كما يتناول الفصل مبدأ الفصل بين السلطات بوصفه آلية أساسية لمنع الاستبداد، والتوزيع المؤسسي للسلطة بين تشريعية وتنفيذية وقضائية.
يعرض الفصل نشأة المؤسسات التمثيلية، وعلى رأسها البرلمان، بوصفه تعبيرًا عن الإرادة الشعبية، وتطور مفهوم المواطنة الأساس الذي تقوم عليه الدولة المدنية، والذي يقوم على المساواة القانونية. ويولي الفصل اهتمامًا خاصًا لتطور الحقوق من حقوق مدنية وسياسية إلى حقوق اجتماعية واقتصادية. كما يناقش الفصل أثر العولمة في إعادة تشكيل الدولة المدنية، وإشكالية التعددية الثقافية.
الفصل الرابع: تحولات مفهوم الدولة المدنية في الفكر المعاصر ونقده
يتناول هذا الفصل التحولات التي طرأت على مفهوم الدولة المدنية في الفكر الغربي المعاصر، ويرصد مسارات تطوره في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية. وينطلق من أن الدولة المدنية لم تعد مفهومًا مستقرًا، بل أصبحت موضوعًا للنقد والمراجعة في ضوء أزمات الديمقراطية، وصعود العولمة، وتنامي النزعات الشعبوية.
يبدأ الفصل بتحليل أثر العولمة الاقتصادية في إعادة تعريف دور الدولة، وصعود النيوليبرالية بوصفها مرحلة أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والسوق. ويناقش الفصل أزمة الديمقراطية التمثيلية، المتمثلة في تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية وصعود الحركات الاحتجاجية الشعبوية. ويعرض الفصل كذلك إشكالية الهوية في المجتمعات متعددة الثقافات.
يتوقف الفصل عند النقد الماركسي ونقد ما بعد الحداثة للدولة المدنية. وفي المقابل، يعرض الفصل دفاعات معاصرة عن الدولة المدنية، ترى أنها رغم أزماتها تبقى الإطار الأكثر قدرة على تنظيم التعدد وضمان الحقوق. كما يناقش الفصل تأثير التطور التكنولوجي في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويختتم بتأكيد أن مفهوم الدولة المدنية يظل مفهومًا مفتوحًا، يتطور تبعًا للتحولات التاريخية.
تؤكد هذه الدراسة على أن الدولة المدنية ليست نموذجًا جامدًا، بل تجربة تاريخية قابلة للتطور، تتأثر بموازين القوى الاجتماعية والاقتصادية، وبالتحولات الفكرية والسياسية. وتبرز ضرورة العودة إلى أصول المفهوم لفهم الحداثة السياسية، وإدراك أنه نتاج تفاعل معقد بين الفكر والتاريخ، بين الفلسفة والواقع، وبين الصراع والتسوية.
تتوزع الدراسة على فصول تتناول جذور الفصل بين الدين والدولة، والسياق الاجتماعي والاقتصادي لنشأة الدولة المدنية، وبنيتها السياسية، ثم تحولات المفهوم ونقده في الفكر المعاصر. وتقدم الرسالة قراءة متكاملة لمسار تشكل الدولة المدنية، وتحولاتها عبر الزمن، وأزماتها الراهنة، مما يجعلها مدخلًا لفهم تطور الدولة الحديثة ذاتها.

