أظهر تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، نُشر في 16 فبراير 2026، أن أوروبا المعاصرة تختلف جوهريًا عن الصورة التي ترسمها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين. يبرز التقرير، الذي أعده جيم تانكرسلي، رئيس مكتب الصحيفة ببرلين، التباين بين التصريحات التي تركز على الروابط التاريخية والثقافية بين الولايات المتحدة وأوروبا، والواقع الأوروبي المتنوع حاليًا.
ركز وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في كلمته بمؤتمر ميونخ للأمن، على الروابط المسيحية واللغة المشتركة والتراث الغربي كأساس للاتحاد بين القارتين. ووصف حضارة الغرب بأنها مبنية على هذه الأسس، مشيرًا إلى أهميتها في الحفاظ على العلاقة العابرة للأطلسي.
أوروبا المعاصرة: فسيفساء من الأعراق والثقافات
على عكس ذلك، يوضح التقرير أن أوروبا اليوم تتميز بتعدد الأعراق والثقافات بشكل لافت، بفضل وجود أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين. ففي العديد من المدن الأوروبية الكبرى، مثل مدن ألمانية، تصل نسبة السكان من أصول غير ألمانية إلى الثلث.
كما أن اللغة الإنجليزية، التي أشار إليها روبيو كلغة مشتركة، ليست سائدة بالكامل؛ إذ يتحدث بها نصف سكان الاتحاد الأوروبي كلغة أجنبية، وترتفع النسبة إلى 70% بين الشباب. وفيما يتعلق بالدين، يشهد الدين المسيحي تراجعًا ملحوظًا في أكبر الاقتصادات الأوروبية الثلاث: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، حيث بات أقل من نصف السكان يعرفون أنفسهم كمسيحيين.
أوروبا اليوم متعددة الأعراق والثقافات بشكل واضح، مع وجود عدد كبير من المهاجرين واللاجئين.
تباين في الرؤى والتحديات
في هذا السياق، شكلت تصريحات روبيو تحديًا لوجهات نظر العديد من القادة الأوروبيين الذين يرون أن الهجرة والتنوع لا يهددان التماسك الاجتماعي أو الثقافة، بل قد يمثلان مصدر قوة. صرحت ريم العبابلي رادوفان، وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية في ألمانيا، بأن الهجرة تعزز المجتمع والاقتصاد، وأن مستقبل ألمانيا يعتمد على الانفتاح والفرص والاندماج.
من جانبه، أوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن أوروبا لا تتبنى “حرب الثقافات” التي يتبناها ترامب، وأن النهج الأمريكي الذي يركز على الهويات المسيحية والغربية لا يعكس الواقع الأوروبي الحالي. وأشار إلى أن التحديات التي تواجه أوروبا تتمثل في معالجة قضايا مثل الهجرة والمناخ، بدلاً من التركيز على انقسامات ثقافية.
آفاق المستقبل: التضامن والتنوع
في سياق أوسع، أكدت العبابلي رادوفان أن التحديات العالمية مثل أزمة المناخ والجوع والفقر والانتهاكات الاجتماعية لا تعرف حدودًا، وأن التعاون الدولي والتضامن المشترك هما السبيل لمواجهتها. وتعكس الفعاليات الاجتماعية اللاحقة لمؤتمر ميونخ هذا التنوع، حيث تجمعت مجموعات متعددة الأعراق والثقافات، مما يجسد التنوع العميق للمدن الأوروبية المعاصرة.
باختصار، يخلص تقرير “نيويورك تايمز” إلى أن أوروبا اليوم قارة متعددة الثقافات والأديان واللغات، تختلف جذريًا عن الصورة الأحادية التي يقدمها بعض المسؤولين الأمريكيين. هذا التنوع الواضح في المدن الأوروبية الكبرى، والانفتاح الاجتماعي، يعززان واقعًا أوروبيًا أكثر تعقيدًا وتنوعًا، وهو ما يضعف التصورات القديمة عن “أوروبا الغربية الموحدة” التي قد يسعى البعض في الولايات المتحدة لتصويرها.

