في فصلهما المنشور ضمن كتاب “العالم الشيعي: طرائق في التقليد والحداثة”، يقدم كل من زين قاسم وبريجيت بلومفيلد مقاربة تاريخية – أنثروبولوجية للذاكرة والخيال الشيعي. من المؤكد أن ثمة مركزية لأهل الكساء في الأدبيات الشيعية، وهم علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين. ومع ذلك، يشكل بيت الأحزان محورا أساسيا للرواية التاريخية الشيعية، حيث تقول الرواية إن علي بن أبي طالب بنى بيتاً في البقيع بعد وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لتأوي إليه فاطمة الزهراء وولداها للبكاء والعزاء بعيداً عن المدينة. وبهذا، تصبح السيدة فاطمة الزهراء، بزواجها من علي وأمومتها للحسنين، أماً للإمامة في المخيال الشيعي، وترتبط بـ”بيت الأحزان” كرمز للشجن الدائم.
الهوية الشيعية: حزن، تصوف، وسؤال الوجود
يعرج الكاتبان قاسم وبلومفيلد على نماذج متعددة من إحياء الشيعة لهذا الطقس من الحزن، من “التعزية” الإيرانية التي تعيد تمثيل حادثة استشهاد الحسين، إلى أشعار “الجنان” في جنوب آسيا، وصولاً إلى أضرحة الخيزران في جنوب شرق آسيا التي تغمر بالمياه في العاشر من المحرم. هذه المراسم والطقوس تنبع من “بيت الأحزان”، الذي بات مساحة للوجدان الدائم الأسى، يستولد خيالاً من الشجن يتجلى في الشعر والمسرح والطقوس الروحية.
في هذا السياق، يجادل المقال بأن الشيعة، وإن اتخذوا أشكالاً سياسية، هم أقرب إلى جماعة ذات صبغة صوفية حزينة، تشبه فرق المتصوفة البكائين في التاريخ الإسلامي. ويمتزج الأدب بالتصوف في الأدبيات الشيعية، كما يتضح في قراءة “السيرة الحسينية” حيث يصعب الفصل بين الغيبي والمشهود. الرواية تقول إن أصحاب الحسين (رضي الله عنه) أبصروا حقيقة مقامهم في عالم الآخرة قبيل المعركة.
“كل ما وقع في كربلاء كان مزيجاً بين عالمي الغيب والشهادة”، حيث سمع الحسين (رضي الله عنه) ينادي أصحابه بفتح الجنة، ورأى علي بن الحسين (رضي الله عنه) رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسقيه بكأسه. هذه الحالة البرزخية، وفق المقال، تمثل فضاءً رمزياً مكثفاً لهوية أدبية عرفانية، منطقية وغير منطقية في آن، وهو ما ينطبق أيضاً على الخطاب السياسي للشيعة. يجمع الحزن على “أئمة الهدى” الاثني عشر الشيعة الإثنا عشرية حتى اليوم ويشكل هويتهم.
تعزز هذه الافتراضات مقاربات هنري كوربان، الذي اعتبر أن مبدأ الجماعة أو “الأمة الشيعية” هو الركن الرابع في العقيدة الشيعية بعد التوحيد والنبوة والإمامة. هذا الركن “مندك بالروحانية” ويعكس “إكليروساً روحانياً” لا يعتمد على التنظيم الهرمي الظاهري. ينتقد كوربان اختزال الشيعة كمذهب خامس، ويرى أن الهيمنة الفقهية على التشيع خلال الحكم الصفوي، على حساب العرفان، قد أبعدت الفضاء الشيعي عن طبيعته كجماعة روحية منفتحة على التأويل.
يشير أندرو جيه نيومان في كتاب “العالم الشيعي” إلى ثلاث فترات ساهمت في تنضيج سؤال الهوية الشيعية: ما قبل الدولة البويهية، الفترة المغولية/التيمورية، والفترة الصفوية المبكرة. يلاحظ نيومان أن انفتاح أو انغلاق المباحث العقلية لدى الشيعة الإثنا عشرية كان مرتبطاً بوضعهم كجماعة. كتاب “الكافي” للكليني، على سبيل المثال، جاء استجابة للميول العقلانية في بغداد، وكان محاولة لمأسسة المعتقد الشيعي والتفكير بالشيعة كجماعة ومذهب.
خلال الفترة البويهية، شهد الشيعة مراجعة نقدية من قبل محمد بن علي الحسين الصدوق، الذي سلط الضوء على توافق أصول الدين بين أهل السنة والإثنا عشرية. وتبعه ابن أبي الجنيد الإسكافي الذي فضل اللجوء إلى الوسائل العقلية، ثم الشيخ المفيد والشريف المرتضى، قبل أن تستحكم المنظومة الكلامية الشيعية مع نصير الدين الطوسي. هكذا، أعاد الشيعة إنتاج معنى هويتهم بالنظر إلى موقعهم كجماعة ومدى قربهم من الأمة الإسلامية.
الشهيد الأول والثاني: رمزية الحزن في بناء الهوية
يبرز توصيف عالمين من أعلام الطائفة بالشهيد الأول والثاني مدى ارتباط الهوية الشيعية بمفهوم الشهادة. الشهيد الأول، شمس الدين محمد بن مكي العاملي، لعب أدواراً متعددة في الفتاوى والمعاملات، لكن نشاطه السياسي استدعى إعدامه بتهمة النصيرية، وتم حرق جثمانه. أما الشهيد الثاني، زين الدين بن نور الدين العاملي، فكان فقيهاً بارزاً ومؤسس أول حوزة شيعية في بعلبك، لكنه لاقى مصيراً مشابهاً، حيث تم رمي جثته في البحر بعد قتله.
كانت تجربة هذين الرجلين، بالإضافة إلى نشاطهما السياسي، محاولة لتأسيس الحوزة الشيعية الأولى في بلاد الشام، مما أعطى لتجربتيهما بعداً مركزياً في الوجدان الشيعي. يعيد الشيعة استحضار مصابهم عند كل تحدٍ أو محاولة للتعبير السياسي، وغالباً ما يكون ذلك مرتبطاً بانتكاسات سياسية أو اجتماعية تعبر عن قلق الهوية وأزمة الحضور.
مثال واضح على ذلك ثورة الشيخ ناصيف النصار في جبل عامل في القرن الثامن عشر، والذي حزن أهل عاملة على مقتله لأكثر من 50 عاماً، حتى صار قبره مزاراً. أدت هذه الظاهرة إلى إصدار علماء النجف فتوى تحرم إقامة مأتم للشيخ ناصيف، خوفاً من ابتداع تقاليد دينية خارجة عن “الجماعة الشيعية”.
الثورة والحزن: “لاهوت التحرير” وإيران الجديدة
شكلت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 نوعاً من “لاهوت التحرير الإسلامي” في السياق الشيعي، حيث سعت لاستعادة حضور الإسلام في المجال العام كنوع من تأكيد حضور الذات المسلمة في العالم. لم تكن الثورة مشروعاً إصلاحياً بقدر ما كانت استجابة دينية لتحدٍ حضاري واجتماعي وسياسي، معتبرة مقولة الصراع مع الغرب سبباً لمشروعيتها.
تمثل الثورة الإسلامية محاولة للخروج من حالة الدونية أمام الغرب، حيث لعب الإسلام دور “جغرافيا الروح المتمردة”. تترجم الثورة طموحاً حضارياً وثقافياً في مواجهة الغرب، ساعية لاكتساب مشروعيتها من هذا العداء. أدبيات الثورة، من علي شريعتي إلى مرتضى مطهري والسيد محمد باقر الصدر وآية الله الخميني، تؤكد هذا المعنى، مشيرة إلى الرغبة في مواجهة الغرب بقدراته.
يعتبر مرتضى مطهري أن مناط إسلامية الثورة وقوامها هو مواجهة الغرب واستعادة الث

