باريس- مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، تعيش أوروبا على وقع تداعيات صراع شكّل تحولاً جذرياً في أولوياتها الأمنية. فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، الذي وصفه الرئيس فلاديمير بوتين بـ”العملية الخاصة” لكنه كان حرباً واسعة النطاق، تغيرت خارطة التهديدات، وأصبحت القارة العجوز في مواجهة مباشرة مع واقع جديد طالما حاولت تجنبه.
لم تعد الحرب مجرد احتمال بعيد يرسم حدود دولة في شرق أوروبا، بل باتت سيناريو استراتيجياً تجري الاستعدادات له سياسياً وعسكرياً. وبينما تتواصل المواجهات على جبهة بطول 1200 كيلومتر، خلّفت الحرب خسائر بشرية فادحة، تُقدر بمئات الآلاف من الجنود بين قتلى وجرحى وفُقد، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
دعوات للصحوة
في خطابها أمام البرلمان الأوروبي، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن أوروبا بحاجة إلى “الاستقلال” وضمان “دفاعها وأمنها”. وتتماشى هذه الدعوات مع رؤية جان مونيه، أحد مؤسسي الاتحاد الأوروبي، الذي رأى أن “بُنيَت أوروبا في أوقات الأزمات”.
وأعادت الحرب تشكيل المشهد الجيوسياسي، حيث يواجه الاتحاد الأوروبي تهديداً من الطموحات الروسية، وفي الوقت ذاته، تحدياً لمبادئه الديمقراطية مرتبطاً بالتغيرات المحتملة في السياسة الأمريكية.
تهديد القارة
تزايد الخطاب الأوروبي في وصف الصراع بأنه تهديد مباشر لأمن القارة، حيث حذّر المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من “خطر مميت”. وتعكس هذه التصريحات تحولاً جذرياً في تقييم التهديدات، إذ أصبح حلف شمال الأطلسي (الناتو) يصنف روسيا رسمياً كـ”التهديد الأكثر أهمية ومباشرة” لأمنه.
ورغم التحديات، يسعى الاتحاد الأوروبي للضغط على روسيا والولايات المتحدة لإيجاد حلول دبلوماسية، مذكراً بأن إعادة إعمار أوكرانيا ستعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الأوروبية، مما يمنح الاتحاد رأياً في مفاوضات السلام.
خط الدفاع الأول
تحوّلت أوكرانيا في المنظور الأوروبي إلى “خط الدفاع الأول” عن القارة. إن نجاح روسيا في فرض شروطها بالقوة قد يغير قواعد الأمن الأوروبي التي استقرت منذ نهاية الحرب الباردة، مما دفع العديد من الدول الأوروبية إلى زيادة ميزانياتها العسكرية وتحديث قدراتها، بينما تعمل أوروبا على تنويع مصادر الطاقة وتأمينها.
ومع تزايد الشكوك حول الالتزام الأمريكي بأمن القارة، خاصة في ظل عودة محتملة لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تعتمد أوروبا بشكل متزايد على قدراتها الذاتية. ورغم أن انضمام أوكرانيا الكامل للاتحاد الأوروبي بحلول 2027 قد لا يكون واقعياً نظراً لاستمرار الحرب، فإن المفاوضات مستمرة لإيجاد حلول للأزمة.
تراجع واشنطن
في ظل التقارير عن انخفاض كبير في المساعدات الأمريكية لأوكرانيا، تسعى أوروبا لتأمين استقرار القارة. وتُجرى حالياً مفاوضات سلام في جنيف، تتضمن مناقشة خطة سلام قد تتطلب تنازلات إقليمية من أوكرانيا، مما يثير تساؤلات حول الدور المستقبلي للولايات المتحدة في الأمن الأوروبي.
ما التالي؟ مع استمرار الحرب، ستظل أوروبا ملتزمة بدعم أوكرانيا مع التركيز على تعزيز قدراتها الدفاعية الخاصة. ويظل الموقف الأمريكي المستقبلي، ونتائج مفاوضات السلام، عاملين حاسمين في تحديد مسار الأزمة وتأثيرها على الأمن القاري.

