يشهد لبنان أزمة نزوح غير مسبوقة، حيث يجد حوالي 1.6 مليون لبناني أنفسهم خارج ديارهم قسراً بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر. وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن 370 ألف طفل من بين هؤلاء النازحين يعيشون ظروفاً معيشية قاسية، تتراوح بين الخيام العشوائية ومراكز الإيواء المكتظة، وذلك رغم الاحتياجات المتزايدة والتمويل الدولي الذي لا يغطي سوى ثلث الاحتياجات الفعلية.
ويسلط مراسل الجزيرة، محمد البقالي، الضوء على تفاقم هذه الأزمة الإنسانية، مشيراً إلى أن 130 ألف نازح فقط يستفيدون من مراكز الإيواء الرسمية. وتواجه هذه المراكز تحديات كبيرة تتمثل في الازدحام، ونقص الخصوصية، وسوء خدمات الصرف الصحي، وشح المستلزمات الصحية والغذائية، وفقاً لمصادر أممية. وبلغت المعاناة لدرجة أن بعض النازحين يفضلون الإقامة في خيام خارج هذه المراكز هرباً من الظروف الصعبة بداخلها.
تتضاعف معاناة الأطفال النازحين، حيث يواجه الكثير منهم حرمانًا كليًا من التعليم، أو يتلقونه عن بعد في ظروف لا تتوفر فيها الإمكانيات التقنية والبيئة المستقرة اللازمة للتعلم.
الانهيار بات وشيكا
تشير المعطيات الحالية إلى أن الانهيار الوشيك للمنظومة الإنسانية قد تم تجنبه بفضل اعتماد الغالبية العظمى من النازحين، والبالغة نسبتهم 85%، على مواردهم الخاصة وشبكات الدعم العائلي والجمعي. ورغم ارتفاع الإيجارات، استأجر العديد منهم منازل، فيما تتكفل الجمعيات المدنية بتأمين الاحتياجات الأساسية لملايين الأشخاص. هذا الاعتماد الذاتي يدل على أن المشهد الحالي يمثل جزءاً بسيطاً من الأزمة المحتملة لو اضطر الجميع للاعتماد على المنظومات الأممية والحكومية وحدها.
ويضيف البقالي بُعدًا أمنيًا خطيرًا إلى المعاناة، حيث باتت الغارات الإسرائيلية تستهدف مناطق داخل بيروت، وتقترب بشكل كبير من مراكز النزوح، مما يقوض الشعور بالأمان النسبي الذي وفره التهجير للنازحين بعيدًا عن مناطق المواجهة.
منظمة الدولية للهجرة رصدت مؤخرًا امتلاء حوالي 600 مركز إيواء، فيما تقوم منظمة “أطباء بلا حدود” بتشغيل 15 عيادة متنقلة لتقديم الرعاية الأولية والاستشارات الطبية، خاصة في المراكز الأكثر اكتظاظًا. وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن هذا النزوح الواسع يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه النظام الصحي اللبناني.
تصاعدت وتيرة الاستهداف الإسرائيلي للجسور فوق نهر الليطاني، مما أدى إلى عزل مناطق الجنوب عن بعضها البعض وقطع التواصل الجغرافي، الأمر الذي فاقم معاناة المدنيين العالقين.
في الثاني من مارس/آذار الجاري، نفذ حزب الله هجومًا على موقع إسرائيلي ردًا على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وذلك رغم اتفاق وقف إطلاق النار منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وعلى خلفية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. وتلا ذلك عدوان إسرائيلي جديد على لبنان شمل غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، تبعته عملية توغل بري محدودة في الجنوب.
من المتوقع أن يستمر تصاعد الاحتياجات الإنسانية مع استمرار العدوان، بينما تواجه جهود التمويل الدولي تحديات كبيرة لتحقيق الأهداف المحددة، مما يثير تساؤلات حول قدرة المنظومات الإغاثية على الاستجابة الكاملة للأزمة في ظل استمرار التصعيد.



