تتجاوز تداعيات الحرب الجارية مفاعيل الأزمات الاقتصادية السابقة، لتضرب قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بشكل مباشر، مهددةً سلاسل الإمداد العالمية وموجّهةً استثمارات ضخمة بعيداً عن هذين المجالين الحيويين. وتشير تقارير إلى أن هذا التأثير قد يفوق ما نجم عن جائحة كوفيد-19، مما ينذر بارتفاع أسعار المنتجات التقنية، بما فيها الهواتف الذكية، وانفجار محتمل لفقاعة الذكاء الاصطناعي.
أثر مباشر على صناعة الشرائح
تتعرض صناعة الشرائح، التي تعد عصب التكنولوجيا الحديثة، لضربة قوية جراء الحرب الدائرة. فمحطات التصنيع العملاقة في شرق آسيا، مثل شركة “تي إس إم سي” (TSMC) الرائدة في إنتاج الشرائح الذكية، وشركات تصنيع الذواكر العشوائية الكبرى مثل “سامسونغ” و”إس كيه هاينكس”، تواجه نقصاً في المكونات الأساسية الضرورية لعملياتها. وتعتمد هذه الشركات، وفقاً لصحيفة “فاينانشال تايمز”، على مواد خام حيوية مثل غاز الهيليوم المسال، والكبريت، والبروم، بالإضافة إلى إمدادات الطاقة من الغاز الطبيعي.
بدأت الأزمة مع إعلان شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال وإيقاف بعض منتجات صناعاتها الكيماوية والبتروكيماوية، وذلك إثر تعرض مرافقها التشغيلية لقصف إيراني. وتعد قطر مصدراً رئيسياً للغاز عالمياً، مما يجعل أي اضطراب في إنتاجها يؤثر مباشرة على سلاسل التوريد. كما أن استقرار إمدادات الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي، أمر بالغ الأهمية لمعامل الشرائح، لا سيما في دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان، التي تعتمد عليه بشكل كبير لتشغيل مصانع “سامسونغ” و”إس كيه هاينكس” وشركات أخرى.
علاوة على ذلك، يعتمد نقل هذه المواد الحيوية، مثل الكبريت والبروم، على المرور عبر مضيق هرمز، الذي أصبح مغلقاً عملياً بفعل تصاعد التوترات. هذا التعقيد في سلاسل التوريد يضع صناعة الشرائح في موقف حرج، حيث إن الحلول البديلة لتلك المواد نادرة أو غير موجودة، مما يجعل معالجة الأزمة تستغرق وقتاً طويلاً.
فيم تستخدم هذه المواد؟
تكتسب هذه المواد أهميتها البالغة من كونها لا غنى عنها في عملية تصنيع شرائح السيليكون. فغاز الهيليوم، بفضل خصائصه الفريدة وتوصيله الحراري العالي، يستخدم بشكل أساسي في تبريد المعدات الدقيقة المستخدمة لحفر الدوائر الإلكترونية على الشرائح. عملية الحفر هذه تولد حرارة عالية جداً، مما يجعل الحفاظ على درجة حرارة منخفضة أمراً ضرورياً لضمان دقة التصنيع وسلامة الشرائح. بدون الهيليوم، تصبح عمليات التبريد الفائقة المطلوبة مستحيلة.
أما الكبريت والبروم، فيلعبان دوراً مباشراً في عملية الحفر والرسم الدقيق للأنماط على رقائق السيليكون. هذه العمليات الكيميائية والفيزيائية تسمح بتحويل الرقاقة الخام إلى شرائح وظيفية جاهزة للاستخدام في مختلف الأجهزة الإلكترونية. وتشكل هذه المواد، مجتمعة، حجر الزاوية في إنتاج الشرائح التي تشغل كل شيء تقريباً في عالمنا الحديث، من الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر إلى السيارات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وضع حرج لسلاسل التوريد
تزداد تعقيدات الأزمة بسبب الطبيعة الخاصة لغاز الهيليوم. فخصائصه المميزة التي تجعله مثالياً للتبريد، مثل سرعة تسربه، تجعل نقله في حالته الغازية غير عملي. يتطلب نقله تسييله وتبريده إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض، وهو ما تقوم به دول مثل قطر باستخدام حاويات متخصصة. ومع ذلك، يحتفظ الهيليوم بحالته المسالة لمدة محدودة، مما يستلزم عمليات نقل سريعة ودقيقة.
تتحمل قطر وحدها مسؤولية تلبية نسبة كبيرة من الطلب العالمي على غاز الهيليوم، مما يجعل أي انقطاع في الإنتاج له تداعيات عالمية فورية. وتشير التقديرات إلى أن إصلاح سلاسل توريد الهيليوم، حتى في حال توقف الحرب فوراً، قد يستغرق سنوات. ورغم وجود مخزونات حالية للطاقة والمواد الخام، فإن هذه المخزونات لن تدوم لأكثر من بضعة أشهر في بعض المناطق، مثل تايوان وكوريا الجنوبية، مما يعني أن التأثير الكامل للأزمة سيظهر قريباً.
انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر المخاوف على قطاع الشرائح، بل تمتد لتشمل طفرة الذكاء الاصطناعي. فغياب الإمدادات الكافية من الشرائح والذواكر، بالإضافة إلى نقص الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة، يهدد بتقويض الاستثمارات الهائلة التي شهدها هذا المجال. يؤدي هذا النقص إلى تراجع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، مما يثير مخاوف من “انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي”، على غرار أزمة “دوت كوم” التي ضربت سوق التكنولوجيا في عام 2008.
تجد الحكومات والمستثمرون أنفسهم أمام خيار صعب: إما الاستمرار في ضخ الأموال في قطاع يعاني من اختناقات عميقة في سلاسل التوريد، أو البحث عن بدائل قد لا تكون متوفرة في المدى القصير. هذا الوضع يلقي بظلال من الشك على مستقبل استثمارات الذكاء الاصطناعي، ويهدد بتباطؤ كبير في وتيرة التطور والابتكار في هذا المجال.
كيف يتأثر جوالك المستقبلي؟
شهدنا في عام 2020، خلال ذروة أزمة نقص الشرائح بسبب جائحة كوفيد-19، اختفاء العديد من الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية من الأسواق، وارتفاعاً جنونياً في أسعار المنتجات المتاحة. وبلغت هذه الظاهرة أوجها مع وصول سعر بعض أجهزة الألعاب مثل “بلاي ستيشن 5” إلى ضعف سعره الرسمي تقريباً. من المتوقع أن تتكرر هذه السيناريوهات، بل قد تتفاقم، مع استمرار أزمة الذواكر العشوائية وتأثر سلاسل التوريد. قد نشهد تأخراً في إطلاق الهواتف الذكية الجديدة، أو إطلاقها بكميات محدودة، مما يؤثر على توافرها للمستهلكين ويرفع أسعارها.
وعلى المدى الطويل، قد يؤدي هذا الوضع إلى إعادة تقييم شاملة لأساليب الإنتاج والتوزيع في قطاع التكنولوجيا، مع التركيز على بناء سلاسل توريد أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه الأزمات غير المتوقعة. كما أن التحول نحو مصادر طاقة بديلة ومستدامة لتشغيل مراكز البيانات قد يصبح أولوية قصوى لضمان استمرارية الابتكار في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي.


