في خضم التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، تواجه البحرية الأمريكية تحديًا فريدًا يتمثل في الألغام البحرية الإيرانية، مما يدفعها إلى تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لمواجهة هذا التهديد. تسعى واشنطن من خلال استثمارات ضخمة إلى تسريع عملية كشف الألغام وتدميرها، مستبدلة الأساليب التقليدية بتقنيات متقدمة.
ثغرة استراتيجية
وقبل بدء التصعيد الأخير، اعتمدت البحرية الأمريكية على أسطول قديم من كاسحات الألغام، مما أدى إلى تقاعد جزء كبير منه استعدادًا لسفن قتال ساحلية أحدث. تفاقمت هذه المشكلة عندما كانت سفينتان حديثتان تخضعان للصيانة، مما قلل من الجاهزية العملياتية في وقت حرج.
أصبح الاعتماد على التقنيات المسيرة، مثل الروبوتات البحرية، ضرورة حتمية لمواجهة هذا القصور، وبات يمثل رهانًا تكنولوجيًا أساسيًا وليس مجرد خيار تكميلي.
من الدلافين إلى الدرونز البحرية
تاريخيًا، اعتمدت البحرية الأمريكية على أساليب تقليدية ومتنوعة لمكافحة الألغام، شملت كاسحات الألغام المأهولة، والمروحيات، والغواصين، وحتى الثدييات البحرية المدربة مثل الدلافين. هذه الطرق، رغم فعاليتها في الماضي، أصبحت بطيئة وعرضة للخطر في البيئات الحديثة.
اليوم، تشهد جهود مواجهة الألغام تحولًا جذريًا مع نشر أسطول من الزوارق والغواصات المسيرة، مثل (CUSV) و(Kingfish) و(Knifefish). تعمل هذه الروبوتات على مسح قاع المحيط باستخدام السونار، وتغطي مساحات واسعة بكفاءة ودون تعريض حياة الأفراد للخطر.
ومع ذلك، فإن جمع البيانات عبر هذه الروبوتات يمثل نصف التحدي فقط. يكمن النصف الآخر في سرعة تحليل هذه البيانات، وهو ما شكّل الدافع الرئيسي لدمج الذكاء الاصطناعي بقوة في هذه العمليات.
“دومينو” ومشروعها الجديد
لتحقيق الكفاءة المطلوبة في تحليل البيانات، أبرمت البحرية الأمريكية اتفاقية مع شركة “دومينو داتا لاب” بقيمة تقارب 100 مليون دولار. سيتم توظيف الشركة لتكون “العمود الفقري للذكاء الاصطناعي” في مشروع عسكري يهدف إلى تسريع قدرات البحرية في هذا المجال.
هذا المشروع، المعروف عسكريًا باسم “AMMO”، وهو اختصار لـ “التعلم الآلي المعجل للعمليات البحرية”، يهدف إلى جعل رصد الألغام تحت الماء أسرع وأكثر دقة، مع تقليل الاعتماد على التدخل البشري. يشمل البرنامج دمج بيانات من أجهزة استشعار متعددة وتحديث نماذج الذكاء الاصطناعي باستمرار.
بفضل هذه التقنيات، يمكن للبحرية مراقبة أداء نماذج الكشف العاملة بالذكاء الاصطناعي في الميدان، وتحديد نقاط الضعف، وإجراء تحديثات تحسينية بسرعة. يؤكد المسؤولون عن البرنامج أن هذه المنظومة تسمح بإدارة وتوزيع أنظمة الذكاء الاصطناعي بالسرعة المطلوبة.
السرعة هي السلاح
يعتمد العقد الجديد بشكل أساسي على تقليل الوقت اللازم لتحديث نماذج الذكاء الاصطناعي. أشارت التقارير إلى أن هذا الأمر قد قلل من زمن تحديث النماذج بنسبة تصل إلى 97%، حيث انخفضت المدة من ستة أشهر إلى أيام معدودة.
هذه السرعة في التكيف والتعلم تمكّن البحرية من نشر مركبات مسيرة مدربة على أنواع جديدة من الألغام بسرعة، مما يقلل وقت الاستجابة من عام إلى أسبوع واحد، وهو ما يحول السرعة إلى سلاح استراتيجي.
بين حدود التقنية والضغط التفاوضي
رغم التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تظل هناك حدود في قدرتها على حل المشكلة بالكامل. فالعملية الميدانية لتمشيط وتدمير الألغام في مساحات مائية شاسعة لا تزال بطيئة وتستهلك وقتًا طويلًا.
تظل الألغام البحرية سلاحًا رخيصًا نسبيًا، في حين أن إزالتها مكلفة للغاية، مما يجعل مجرد التهديد بوجودها كافيًا لتعطيل حركة الملاحة التجارية. هذا التباين الاقتصادي يضع ضغوطًا كبيرة على العمليات العسكرية.
من منظور تفاوضي، قد يساعد هذا الجهد الأمريكي في تمشيط الألغام على ممارسة ضغط على إيران، وقد يدفعها ذلك نحو طاولة المفاوضات مع تراجع سيطرتها المتصورة على المضيق.
ما وراء هرمز.. عسكرة موسعة للذكاء الاصطناعي
يبدو أن هذه التطورات في مضيق هرمز ليست سوى بداية لتوسع أكبر في استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الأمريكية. فقد أبرم البنتاغون اتفاقيات سرية مع سبع شركات تكنولوجيا كبرى لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي في مجالات أكثر تطوراً، بما في ذلك تخطيط المهام وتحديد الأهداف.
تنقل الولايات المتحدة المواجهة إلى ميدان التكنولوجيا، حيث يُتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً حاسماً. المفارقة تظل قائمة: لغم واحد منخفض التكلفة يمكن أن يجبر أقوى جيش في العالم على استثمار مئات الملايين من الدولارات لاكتشافها وتدميرها.
ماذا بعد؟ مع استمرار التوترات في المنطقة، من المتوقع أن تشهد العمليات العسكرية مزيدًا من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. يتوقع المراقبون أن تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق هذه التقنيات لتشمل جبهات أخرى، بينما تظل القدرة الفعلية على إزالة الألغام بالطرق التقليدية والذكية، والعائد التفاوضي المتوقع، نقاطًا رئيسية تثير التساؤلات.


