شهدت قاعة جامعة تسينغهوا في بكين، خلال يناير/كانون الثاني الماضي، تجمعًا لرواد صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين، من بينهم ممثلين بارزين عن شركات مثل “تينسنت” و”علي بابا” و”تشيبو للذكاء الاصطناعي”. علت نبرة التفاؤل بين الحاضرين، مع إيمان راسخ بأن إحدى الشركات الصينية قد تقود العالم قريبًا في هذا المجال. إلا أنهم أقروا بوجود عائق كبير يتمثل في نقص أشباه الموصلات فائقة السرعة، وهو ما سلطت عليه الضوء صحيفة نيويورك تايمز في تقرير حديث.
فجوة في الرقائق المتقدمة
توضح نيويورك تايمز أن إنتاج الرقائق المتقدمة في الصين لا يزال يشكل جزءًا صغيرًا مقارنة بالشركات الأجنبية. وتشير تقديرات شركة “هواوي”، الرائدة في جهود تطوير الرقائق محليًا، إلى أنها بحاجة إلى عامين إضافيين لتصنيع رقائق تضاهي أداء العروض الحالية لشركات مثل “إنفيديا” في وادي السيليكون.
“حتى البطل الوطني يخوض معركة شاقة”، هكذا وصفت شياومنغ لو، المديرة في مجموعة “أوراسيا”، الوضع الراهن. فالشركات الصينية تواجه تحديًا في إنتاج رقائق تتسم بالعدد المطلوب والأداء العالي، ويعود ذلك جزئيًا إلى السياسات الأمريكية التي قيدت استيراد الأدوات الرئيسية اللازمة للتصنيع. ورغم ذلك، لم يتراجع الزخم في قطاع الذكاء الاصطناعي داخل الصين.
150 مليار دولار ومسار الاكتفاء
منذ أكثر من عقد، أطلقت الحكومة الصينية حملة طموحة لتصنيع الرقائق المتقدمة محليًا، استثمرت خلالها أكثر من 150 مليار دولار. وقد تدفقت استثمارات حكومية وخاصة ضخمة إلى شركات الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى قفزة في أسهم التكنولوجيا الصينية؛ فقد تجاوز سهم “علي بابا” مكاسب قياسية العام الماضي، وطرحت العديد من الشركات الناشئة أسهمها للاكتتاب، فيما جمعت شركتان واعدتان أكثر من مليار دولار في إدراجات حديثة.
تعكس الفجوة بين هذه الاستثمارات وبين القدرة الإنتاجية الفعلية للرقائق المتقدمة، حجم الإلحاح نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع الاستراتيجي، وتؤكد التبعية المستمرة لرقائق أجنبية.
تحولات في سياسة أمريكا
شهدت العلاقات الأمريكية الصينية في مجال التكنولوجيا بعض التحولات. ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، سمحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لشركة “إنفيديا” ببيع بعض رقائقها المتقدمة إلى شركات صينية، في تراجع عن سنوات من القيود. إلا أن مسألة حصول الصين على وصول واسع لهذه الرقائق تظل سؤالاً مفتوحًا، خاصة مع قرب زيارة الرئيس ترمب إلى بكين.
فجوة الذاكرة
تُعد القيود الأمريكية، التي استمرت عبر ثلاث إدارات رئاسية، عائقًا رئيسيًا أمام الشركات الصينية. فقد منعت هذه القيود الشركات الصينية من شراء الرقائق المتقدمة وأدوات تصنيعها، بما في ذلك المعدات الحيوية من الشركة الهولندية “إيه إس إم إل” (ASML). ومنذ أن بدأت واشنطن جهودها للضغط على الحكومة الهولندية لمنع شحن هذه المعدات، لم تتمكن أي شركة صينية من الحصول على أحدث الأدوات التي تنتجها “إيه إس إم إل”.
يشير الخبراء إلى أن الشركات الصينية ستنتج هذا العام حوالي 2% فقط من رقائق الذكاء الاصطناعي مقارنة بالشركات الأجنبية. وفي مجال رقائق الذاكرة، من المتوقع أن تتجاوز سعة التخزين التي ستنتجها الشركات خارج الصين نظيرتها الصينية بسبعين مرة هذا العام.
هواوي والتحول الاستراتيجي
في عام 2014، أطلق مجلس الدولة الصيني خطة طموحة لإنفاق مليارات الدولارات لبناء سلسلة توريد كاملة لأشباه الموصلات محليًا بحلول عام 2030. جاءت هذه الخطة في وقت كانت فيه الصين أكبر سوق عالمية لأشباه الموصلات، لكنها كانت تعتمد بنسبة 90% على رقائق مصنوعة خارجها.
لقد واجهت شركة “هواوي”، التي كانت فريدة في قدراتها ومواءمتها مع الأهداف الوطنية للصين، تحديات كبيرة. فبعد فرض غرامة على “زد تي إي” (ZTE) في عام 2017، وقادت واشنطن حملة عالمية ضد استخدام معدات “هواوي” في البنية التحتية للاتصالات، أصبحت تجربة “هواوي” صورة مصغرة لتجربة الصين الأوسع: الانقطاع المفاجئ والدفع لبناء بدائل محلية.
حوسبة مكلفة
تلجأ شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى ربط أعداد كبيرة من الرقائق الأقل قوة معًا لتحقيق قدرات حوسبة أعلى. كما تبني الحكومة مراكز بيانات مستقلة تُعرف بـ “عناقيد الحوسبة الذكية”. وعلى الرغم من إعلان بعض الشركات، مثل “تشيبو” و”مينيماكس”، عن بناء نماذجها باستخدام رقائق وبرمجيات “هواوي”، فإن مكاسب الكفاءة كانت محدودة، ولم تلغِ الحاجة إلى كميات هائلة من الرقائق.
تنفق هذه الشركات مبالغ طائلة على خدمات الحوسبة السحابية من مزودين مثل “علي بابا” و”أمازون”. وتُظهر الوثائق المقدمة إلى بورصة هونغ كونغ أن الشركتين تنفقان على الخدمات السحابية أكثر مما تحققه من إيرادات، مما يعكس طموحًا واسعًا يصطدم بقيود تقنية لا تزال قائمة.
ماذا بعد؟ يظل السؤال حول قدرة الصين على سد الفجوة في مجال أشباه الموصلات المتقدمة مطروحًا، خاصة مع التطورات السياسية والتكنولوجية المستمرة. وستكون المراقبة عن كثب لجهود الصين في تطوير تصنيع الرقائق، والتطورات في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل هذه الصناعة.

