يشهد عام 2026 تصاعداً في الصراع بين المفوضية الأوروبية وشركتي “ميتا” و”آبل”، حيث تتجاوز المعركة حدود خصوصية البيانات لتصل إلى التحكم في مستقبل الذكاء الاصطناعي. يسعى الاتحاد الأوروبي، من خلال حزمة تشريعية صارمة، إلى منع الشركات التكنولوجية الكبرى من احتكار الذكاء الاصطناعي المستقبلي من خلال فرض قوانين مثل قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الذكاء الاصطناعي.
في خطوة استباقية، وجهت المفوضية الأوروبية اتهامات رسمية لشركة ميتا في فبراير/شباط، مستهدفة تطبيق “واتساب” باعتباره بوابة رئيسية في سوق المراسلة. تتهم المفوضية ميتا بفرض مساعدها “ميتا إيه آي” (Meta AI) حصريًا، مع منع المنافسين مثل “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”غوغل” (Google) من تقديم مساعداتهم عبر التطبيق. يعتمد التحرك الأوروبي على مبدأ “التوافق التشغيلي”، إذ ترى المفوضية أن واتساب يجب أن يكون مفتوحًا للابتكارات الخارجية.
يهدف التهديد بفرض غرامات تصل إلى 10% من إيرادات ميتا العالمية إلى إجبارها على توفير واجهة تسمح لأي ذكاء اصطناعي خارجي بالعمل بسلاسة داخل التطبيق. هذا من شأنه أن يمنح المستخدمين حرية الاختيار ويحد من احتكار ميتا لبيانات المحادثات واستخدامها في تدريب نماذجها.
من جانبها، تواجه آبل إجراءات ضغط مختلفة تتعلق بنظام “آبل إنتليجنس” (Apple Intelligence). يرى الاتحاد الأوروبي أن التكامل العميق بين عتاد وبرمجيات آبل يمثل ميزة احتكارية. وبموجب قانون الأسواق الرقمية (DMA)، تطالب أوروبا آبل بالسماح لمحركات الذكاء الاصطناعي المنافسة بالوصول إلى “النواة” الأساسية لنظام تشغيل “آي أو إس” (iOS).
في محاولة للمقاومة، حاولت آبل تأخير إطلاق ميزات الذكاء الاصطناعي في أوروبا بحجة المخاوف الأمنية. لكن الرد الأوروبي جاء حازماً، مؤكداً أن الأمن لا ينبغي أن يستخدم كغطاء للاحتكار. القوانين الجديدة تلزم آبل بتسهيل “التحميل الجانبي لنماذج الذكاء الاصطناعي”، مما يسمح للمستخدمين باستبدال “سيري” بمساعدين آخرين دون فقدان الوظائف الذكية للجهاز.
ويفرض قانون الذكاء الاصطناعي، الذي دخلت قواعده الصارمة حيز التنفيذ الكامل في أغسطس/آب 2025 وبداية 2026، متطلبات صارمة تتعلق بالشفافية. يتوجب على كل من ميتا وآبل تقديم سجلات مفصلة للمحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر المستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
كما يتطلب القانون تقييم المخاطر، حيث يتوجب على الشركتين إثبات أن نماذجها “عامة الأغراض” لا تشكل مخاطر نظامية على الديمقراطية أو الصحة النفسية للمواطنين الأوروبيين. هذا الضغط القانوني يهدف إلى منع التوسع السريع وغير المنضبط، وإتاحة الفرصة للشركات الناشئة الأوروبية للمنافسة في بيئة تنافسية واضحة.
يهدف الاتحاد الأوروبي من خلال هذه الإجراءات إلى تحقيق “السيادة الرقمية”. إذا نجحت هذه الجهود، سيتحول الذكاء الاصطناعي من ميزة تنافسية تابعة لشركات الهواتف إلى “خدمة عامة” يمكن تبديل مزودها بسهولة.
يعتبر المراقبون أن هذا العام يمثل نقطة تحول حاسمة. فإما أن تخضع ميتا وآبل للقواعد الأوروبية ويصبح الذكاء الاصطناعي سوقاً تشاركياً، أو تستمر الشركات في سياسة “التأخير والمنع” داخل أوروبا. هذا قد يؤدي إلى فجوة تقنية، لكن بروكسل تراهن على أن قوة السوق الأوروبية الموحدة ستجبر الشركات في النهاية على الامتثال.

