شهدت شركة ميتا، العملاقة التكنولوجية التي تقف وراء فيسبوك وإنستغرام، تحولًا جذريًا في استراتيجيتها، حيث أعلنت رسميًا عن إغلاق منصتها الرائدة للواقع الافتراضي “هورايزن وورلدز” (Horizon Worlds) على أجهزة نظارات “كويست” (Quest). هذه الخطوة، التي جاءت في مارس/آذار 2026، تأتي بعد استثمار ضخم دام أقل من خمس سنوات، وتفقد المليارات من الميزانية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الميتافيرس ورهانات زوكربيرغ التقنية.

في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2021، أعلن مؤسس فيسبوك ورئيسها التنفيذي، مارك زوكربيرغ، عن ولادة “ميتا” (Meta)، واعدًا العالم بـ “الحدود التالية” للتفاعل البشري عبر العوالم الافتراضية. لكن هذا الحلم، الذي كلف الشركة قرابة 80 مليار دولار، اصطدم بجدار الواقع المالي، حيث أعلنت ميتا عن إغلاق “هورايزن وورلدز” في خطوة وصفها المحللون بأنها “دفن هادئ”.

لم تكن خسارة الـ 80 مليار دولار مجرد رقم، بل كانت فاتورة محاولة لتغيير سلوك البشر قسراً. وبحلول الربع الأول من عام 2026، سجل قسم “رياليتي لابس” (Reality Labs) خسائر تشغيلية بلغت 19 مليار دولار في عام 2025 وحده. هذا النزيف المالي دفع زوكربيرغ إلى إجراء “استدارة استراتيجية” هي الأعنف في تاريخ الشركة.

قررت ميتا إزالة “هورايزن وورلدز” من متجر “كويست” بحلول 31 مارس/آذار، مع إيقاف خدمات الواقع الافتراضي بالكامل في 15 يونيو/حزيران، لتتحول المنصة إلى تطبيق هاتف محمول يحاكي تجربة لعبة “روبلوكس”. وبدلًا من بناء عوالم افتراضية “مهجورة”، رفعت الشركة سقف إنفاقها الرأسمالي لعام 2026 إلى ما بين 115 و135 مليار دولار، موجهة الدفة نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ونماذج “لاما” (Llama) المتطورة.

لماذا سقط “أفق” زوكربيرغ؟

تتعدد القراءات حول أسباب هذا الإخفاق، لكن دراسات الحالة تشير إلى فجوة بين “الغطرسة التقنية” ورغبات المستخدم الحقيقية. يرى محللون أن المستهلكين هم “السياديون”، وأن عوالم ميتا الكرتونية قوبلت بالسخرية والرفض، معتبرين أن زوكربيرغ حاول بناء “سجن ذهبي” لم يكن العالم مستعدًا له.

كما توضح دراسات أن المستخدمين احتضنوا أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهل حياتهم الواقعية، بينما قاوموا فكرة “العيش” داخل نظارات واقع افتراضي ثقيلة وغير عملية تقنيًا. المدير التقني لميتا، أندرو بوزورث، اعترف بأن صناعة الواقع الافتراضي لم تنمُ بالسرعة المأمولة، مؤكدًا أن التركيز سينتقل الآن إلى “النظارات الذكية” القابلة للارتداء والتي تعمل بالذكاء الاصطناعي، بدلًا من الانغماس الكامل.

الرهان الجديد

يقول المراقبون أن زوكربيرغ لا يتراجع عن حلمه بالسيطرة، بل يغير أدواته. فبينما كان الميتافيرس محاولة للسيطرة على “المكان”، فإن الذكاء الاصطناعي هو محاولة للسيطرة على “الإدراك”. تستثمر ميتا الآن في رقائقها الخاصة “إم تي آي إيه” (MTIA) لتقليل الاعتماد على شركات مثل إنفيديا وآبل، ساعية لبناء “ذكاء اصطناعي خارق” يفهم السياق الشخصي للمستخدم بشكل كامل.

كما أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يمنح ميتا فرصة ثانية لامتلاك نظام تشغيل خاص بها لا يخضع لقيود آبل، وهي الغاية الأساسية التي كانت تحرك مشروع الميتافيرس. يرجح الخبراء أن إغلاق “هورايزن وورلدز” ليس نهاية طموحات زوكربيرغ، بل هو اعتراف بأن “الإنترنت القادم” لن يكون مكانًا نزوره، بل ذكاء يحيط بنا، حتى لو كلفه ذلك خسارة 80 مليار دولار.

شاركها.
Exit mobile version