Published On 18/2/2026
|
آخر تحديث: 13:50 (توقيت مكة)
يواجه العديد من المسلمين شعورًا بالخمول والنعاس بعد تناول وجبة الإفطار خلال شهر رمضان، وهو ما يتناقض مع التوقعات بالحيوية بعد حصول الجسم على الطاقة. هذه الظاهرة، التي ترتبط بإعادة توزيع الطاقة داخل الجسم، أصبحت موضوع اهتمام بسبب تأثيرها على أنشطة ما بعد الإفطار.
لفهم هذه الحالة، يشرح أستاذ الفيزياء الحيوية بجامعة جنيف، الدكتور هيثم شعبان، أن الجسم لا يحصل على الطاقة بشكل فوري بعد تناول الطعام، بل يعتمد على مخازن الطاقة الداخلية كالغلوكوز والدهون.
ويوضح شعبان أن هذه المخازن ليست كوقود السيارة الذي يمنحها انطلاقة فورية؛ فالطاقة التي نستخدمها بعد تناول الطعام بدقائق قليلة هي في الواقع طاقة مخزنة مسبقًا.
ماذا يتغير في الصيام؟
خلال ساعات الصيام الطويلة، يعتمد الجسم بشكل أساسي على الطاقة المخزنة. الغلوكوز المخزن في الكبد والدم يؤمن الطاقة السريعة، بينما توفر الدهون المخزنة المصدر الأطول أمداً.
وبعد فترة الاعتماد على المخزون، تأتي وجبة الإفطار لتمد الجسم بدفعة كبيرة ومفاجئة من الطاقة.
يشبه شعبان الجسم بنظام شبه مغلق، حيث إن زيادة استهلاك الطاقة في جزء معين يؤدي إلى انخفاض مؤقت في الأداء في أجزاء أخرى.
بعد تناول الطعام، يزداد تدفق الدم إلى المعدة والأمعاء بنسبة قد تصل إلى 30-40%، ويهدف ذلك لنقل الطاقة والأكسجين اللازمين للهضم. نتيجة لهذا التحويل، يقل تدفق الدم نسبيًا إلى الدماغ وتنخفض كمية الأكسجين المتاحة للعضلات بشكل مؤقت، مما يؤدي إلى الشعور بالنعاس وثقل الرأس وبطء التفكير.
مرحلة إعادة التوازن
لا تستمر حالة الخمول لفترة طويلة، حيث يبدأ الجسم في إعادة تنظيم الطاقة. يتم تخزين جزء على شكل جليكوجين ودهون، ويُستخدم جزء آخر للحركة والوظائف الذهنية، بينما يتحول الباقي إلى حرارة.
هذه المرحلة تشبه شحن جهاز إلكتروني، حيث لا يعمل بكامل كفاءته فورًا، إذ تُوزع الطاقة على العمليات الأساسية أولاً.
تدعم دراسات أجراها باحثون من معهد توماس لين لأبحاث الرعاية الصحية هذه الملاحظات، إذ كشفت قياسات لنشاط الدماغ أثناء النوم أن الشعور بالنعاس بعد الأكل هو ظاهرة فسيولوجية حقيقية.
أظهرت دراسات أخرى نشرت في دورية الفسيولوجيا والسلوك أن تناول وجبة صلبة، بغض النظر عن مكوناتها، يؤدي إلى تسريع الدخول في النوم مقارنة بتناول كمية مماثلة من الماء.
ويعزى ذلك إلى الجهد الذي يبذله الجسم في الهضم، مما يعيد توجيه تدفق الدم والطاقة إلى الجهاز الهضمي، ويقلل مؤقتًا من اليقظة الذهنية.
إن الخمول بعد الإفطار الرمضاني هو نتيجة طبيعية لإعادة توزيع الطاقة، وليس علامة على الكسل أو الضعف. تتفق هذه الظاهرة مع قوانين فيزيائية وفسيولوجية.
لتخفيف هذا الأثر، يُنصح بتقسيم وجبة الإفطار، والتركيز على البروتينات والألياف، وتجنب السكريات مباشرة بعد الأكل. كما أن ممارسة المشي الخفيف لعدة دقائق تساعد الجسم على توزيع الطاقة بشكل متوازن والحفاظ على اليقظة.
التحدي المستقبلي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين الاحتياجات الغذائية للجسم بعد فترة الصيام وبين الحفاظ على مستويات طاقة مناسبة للمشاركة في الأنشطة الرمضانية.


