على مر العصور، كان كوكب القمر مصدر إلهام للعديد من النظريات والقصص والأساطير، بدءًا من الفضول العلمي مع إطلاق وكالة “ناسا” مشروع “السفر إلى القمر” بطاقم كامل، إلى التصوير الفني.
ويحمل تألق القمر مزيجًا من الغموض والعلم الذي يُبهر كل من ينظر إلى السماء في ليلة صافية.
وفي هذا الإطار، رصد موقع “thetravel.com” أسباب سطوع القمر من خلال ثلاث مجالات متميزة: علم الفضاء، والثقافات القديمة، والرمزية التي يُعلّقها الناس عليه اليوم.
وسطوع القمر هو مزيج من العلم والثقافة والرمزية الشخصية. فمن انعكاس ضوء الشمس إلى القصص العميقة الجذور للحضارات القديمة، يُعدّ ضوء القمر بمثابة تذكير قوي بعلاقتنا بالطبيعة وعلم التنجيم والكون.
يحمل تألق القمر مزيجًا من الغموض والعلم- “ذا ترافل”
فعندما تنظر إلى القمر، فكّر في الطبقات العديدة للنظام الكوني التي يجب أن تجتمع معًا لتكوين ضوئه. ولعلّ السبب وراء انبهار البشرية العميق بالقمر هو شيء خارج عن نطاق العلوم. ربما هو الشعور السحري الذي يجلبه عندما ننظر للأعلى.
ماذا يقول علم الفضاء عن توهّج القمر؟
القمر لا ينتج ضوءه الخاص، بل إنّه يضيء من خلال عكس ضوء الشمس.
وعلى الرغم من أنّ سطح القمر ليس عاكسًا بشكل خاص مقارنة بمواد مثل المعدن أو الزجاج، إلا أنّه يُشتّت ضوء الشمس عبر تضاريسه الصخرية.
والتركيب المادي لسطح القمر هو عبارة عن مزيج من معادن السيليكات، إلى جانب طبقة من الغبار الزجاجي الناعم تسمى “الحطام الصخري” (regolith).
وينشأ “الحطام الصخري” عن طريق السقوط المستمر للنيازك والنيازك الدقيقة، ما يؤدي إلى سحق الصخور الموجودة على سطح القمر، وتحوّلها إلى طبقة متربة ومجزأة.
وتمنح هذه الجسيمات الزجاجية بالإضافة إلى المعادن الصخرية، القمر قدرة معتدلة على عكس ضوء الشمس نحو الأرض. وهذا الانعكاس كافٍ لجعل القمر مرئيًا.
ويختلف سطوع القمر ليلًا، حسب موقعه بالنسبة للأرض والشمس. فعلى سبيل المثال، أثناء اكتمال القمر، تقع الأرض مباشرة بين الشمس والقمر، ما يسمح لضوء الشمس بضرب سطح القمر مباشرة وإعطائه مظهرًا كاملًا ومستديرًا.
في المقابل، أثناء ظهور القمر الجديد، يقع القمر بين الأرض والشمس، وبالتالي يكون الجانب المواجه للأرض في الظل. ويؤدي هذا النمط إلى ظهور الأشكال المتنوّعة والجميلة التي تظهر في السماء.
متى يكون القمر في قمة سطوعه؟
يسطع ضوء القمر بأبهى صوره خلال ليلة اكتمال القمر، وذلك عندما تقع الأرض مباشرة بين القمر والشمس. في هذه المرحلة، يُضيء ضوء الشمس بالكامل جانب القمر الذي يواجه الأرض، ما يؤدي إلى ظهور البدر كما نعرفه.
ويحدث هذا عادة مرة واحدة في الشهر، على الرغم من أنّ الاختلافات في المدار تؤدي أحيانًا إلى “القمر العملاق”، عندما يظهر القمر أكثر سطوعًا وأكبر بنسبة 14% تقريبًا من المعتاد. ويحدث “القمر العملاق” نتيجة وجود القمر في أقرب نقطة له من الأرض.
تتزامن بعض الأقمار الكاملة مع أحداث موسمية أو قمرية خاصة، مثل قمر الحصاد (Harvest Moon) أو القمر الدموي (Blood Moon)، أو قمر الفراولة والتي تضيف ألوانًا وسطوعًا فريدة بسبب الظروف الجوية.
ولطالما اعتُبرت لحظات ذروة السطوع هذه، أوقاتًا مهمة للاحتفال والتأمل والطقوس عبر الثقافات.
ماذا تقول الحضارات القديمة عن سطوع القمر؟
قبل العلم، كان الناس ينسبون سطوع القمر إلى قوى خارقة للطبيعة، وآلهة، وظواهر روحية.
وكانت العديد من الحضارات القديمة تعبد القمر باعتباره “إلهًا”.
وهناك آثار قديمة مثل معبد القمر في البيرو، وهرم القمر في تيوتيهواكان بالمكسيك، والتي تُظهر إخلاص هذه الحضارات للقمر.
هرم القمر في تيوتيهواكان بالمكسيك- “ذا ترافل”
ونظر الإغريق إلى القمر على أنّه “سيلين” إلهة القمر، التي ستركب عربتها عبر سماء الليل، لتُضيء الطريق.
أما في الهندوسية، فيرتبط القمر بآلهة مختلفة، ويُعتبر ذي تأثير قوي على مشاعر الإنسان وعلم النفس والسلوك.
بالنسبة للقبائل الأصلية والمجموعات الثقافية الأخرى، غالبًا ما تُوجّه مراحل القمر الممارسات الزراعية والصيد والطقوس الاجتماعية. وتُظهر هذه المعتقدات أنّ سطوع القمر لم يكن مصدرًا للضوء فحسب، بل أيضًا دليلًا وضابطًا للوقت.
حتى أنّ العديد من الثقافات القديمة اعتقدت أنّ وهج القمر يُمكن أن يؤثر على الطقس والخصوبة، وعلى صحة الإنسان والطاقة الروحية.
ماذا تقول المعتقدات الشخصية عن ضوء القمر؟
اليوم، لا يزال القمر يلفت انتباه الناس للغموض الذي لا يزال يُحيط به. إنّه رمز للمرونة والدورات والتحوّل. وغالبًا ما ترتبط مراحل القمر بدورات وتغيّرات الحياة، ما يُذكّرنا بأنّ كل مرحلة، مشرقة أو مظلمة، هي مؤقتة.
ويُمكن أن يُشير ضوء القمر أيضًا إلى النمو الداخلي، فكما أنّ للقمر لحظاته المضيئة ولحظاته المظللة، كذلك هي الحال بالنسبة للحياة.
في علم التنجيم، يُعتبر القمر رمزًا عميقًا لعالمنا العاطفي الداخلي والحدس واللاوعي. وغالبًا ما يرتبط ذلك بإحساس الفرد بالأمان والرعاية وكيفية تعاملنا مع المشاعر.
وبينما تُمثّل الشمس شخصيتنا الخارجية، فإن القمر يكشف عن ذاتنا الغريزية الخفية. وحتى الآن، لم يتمّ حلّ العديد من الألغاز، مثل تزامن دورة القمر التي تبلغ 27 يومًا مع الدورة الهرمونية المتوسطة للمرأة، أو تأثير جاذبية القمر على موجات المد والجزر التي تجعل الناس يخططون للسفر البحري والأحداث الخاصة الأخرى حوله.

