القاهرة – تستعد مكتبة الأزهر الجديدة، بمنشأتها العصرية في شرق العاصمة المصرية القاهرة، لفتح أبوابها للكشف عن كنوزها المعرفية. يأتي هذا الانتقال، الذي يترافق مع تصميم معماري إسلامي يعكس عراقة محتواها الممتد لقرون، مصحوباً بتحول هيكلي غير مسبوق في مسار واحدة من أعرق خزائن المعرفة في العالم الإسلامي، حيث أصبحت بموجب قانونها الجديد “شخصاً اعتبارياً عاماً” يتبع رئيس الجمهورية.
يمثل هذا التطور امتداداً لمسار تاريخي بدأ منذ العصر الفاطمي داخل أروقة الجامع الأزهر، حيث تشكلت نواة “الكتبخانة الأزهرية”. تراكمت عبر القرون مخطوطات وذخائر علمية شكلت جزءاً أصيلاً من الذاكرة الدينية والفكرية لمصر والعالم الإسلامي، لتتجسد اليوم في صرح معرفي متكامل.
نشأة مكتبة الأزهر وتطورها التاريخي
بدأت فكرة مكتبة الأزهر في الدولة الفاطمية بمصر (517 هـ – 1123 م)، وانتشرت عبر ستة مواقع داخل الجامع الأزهر، بما في ذلك المدارس الأقبغاوية والطيبراسية، والرواق العباسي، ورواق الشوام، ورواق الأتراك، ورواق المغاربة. تطورت هذه النواة لتصبح “الكتبخانة الأزهرية” رسمياً في عام 1896، في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، مع تخصيص أروقة لتجميع الكتب والمخطوطات. في عام 1994، افتتحت مكتبة الأزهر بالدراسة، وهو مبنى جديد مكون من 14 طابقاً في حديقة الخالدين، لتلبية احتياجات التعليم والبحث العلمي المتزايدة.
المرحلة الحالية تشهد تدشين المكتبة الجديدة، التي تمتد على مساحة 14 ألف متر مربع وتتكون من ستة طوابق. تضم هذه المنشأة الحديثة قاعات متخصصة للمخطوطات النادرة، والكتب المطبوعة، والخرائط، والرسائل الجامعية، بالإضافة إلى قاعات بحثية مزودة بأحدث التقنيات. هذه التجهيزات تعكس رؤية طموحة لجعل مكتبة الأزهر مركزاً معرفياً رائداً.
مقتنيات مكتبة الأزهر
تضم مكتبة الأزهر كنوزاً معرفية فريدة، تقدر بحوالي 500 ألف كتاب، وحوالي 50 ألف مخطوط. من بين هذه المخطوطات، يوجد 4 آلاف مخطوط نادر يعود عمر بعضها إلى ألف عام، بالإضافة إلى 970 مصحفاً مخطوطاً من عصور مختلفة. أبرز هذه المصاحف هو المصحف السفيني بالخط الكوفي، الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع الهجري. كما تحتضن المكتبة 142 خريطة نادرة، مما يجعلها مستودعاً ثميناً للتاريخ والفكر.
إطار تنظيمي جديد لمكتبة الأزهر
يعكس القانون الجديد لمكتبة الأزهر تحولاً هيكلياً هاماً، حيث أصبحت المكتبة “شخصاً اعتبارياً عاماً” يتبع رئيس الجمهورية، مما يمنحها استقلالية مؤسسية أكبر. يتشكل الهيكل الإداري للمكتبة من مجلس أمناء يرأسه رئيس الجمهورية، ونائبه شيخ الأزهر، ويضم ما بين 15 و30 عضواً من كبار الشخصيات لمدة أربع سنوات. كما يضم الهيكل مجلساً للإدارة برئاسة شيخ الأزهر، ويتكون من 15 إلى 21 عضواً، بينهم 10 علماء على الأقل من الأزهر الشريف.
على الصعيد العلمي، تضم المكتبة مراكز متخصصة لتوثيق التراث، تحقيق المخطوطات، الترميم، ودراسات الخطوط، فضلاً عن متحف خاص بالمخطوطات ومجلة علمية محكمة. هذه الكيانات العلمية تهدف إلى تعزيز الدور البحثي والأكاديمي للمكتبة، وتوفير بيئة محفزة للباحثين والمهتمين بالتراث الإسلامي.
تجديد المكانة العلمية والإدارية
يرى أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق بجامعة الأزهر، الدكتور عبد الحليم منصور، أن تبعية المكتبة لرئاسة الجمهورية قد تمنحها دعماً مؤسسياً قوياً، لكن جوهر نجاحها يظل مرهوناً بصيانة استقلالها العلمي الأزهري. وأكد منصور، الذي يشغل حالياً منصب عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعة القاسمية في الشارقة، على ضرورة رقمنة المكتبة وتفعيل دورها البحثي لجعلها مركزاً عالمياً لدراسة التراث. حدد الدكتور منصور ثلاثة أبعاد رئيسة لنهضة المكتبة: البعد الحافظ (ترميم المخطوطات)، البعد البحثي (تيسير وصول الباحثين)، والبعد التجديدي (إعادة قراءة التراث لتجديد الخطاب الديني).
من جانبه، اعتبر أستاذ علم المكتبات والمعلومات بجامعة الأزهر، الدكتور السعيد داود، أن مشروع القانون يمثل نقلة نوعية ستوفر دعماً مالياً وتقنياً أكبر، وتسريع مشروعات الترميم والرقمنة، مما يعزز مكانة المكتبة على الصعيدين الوطني والدولي. كما وصف الدكتور أحمد عبد الفتاح أبو هشيمة، عضو اتحاد المؤرخين العرب، القانون بأنه “خطوة تاريخية” تعكس إدراكاً رسمياً للقيمة الحضارية للمكتبة، مشيراً إلى أن الإدارة الجديدة ستشهد آليات عمل متطورة وإدارات متخصصة.
مع هذا القانون الجديد، تقف مكتبة الأزهر عند مفترق طرق بين “حماية التراث” و”تحديث الإدارة”. يوفر القانون دعماً سيادياً وإمكانات للحوكمة الرقمية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الكنوز المخطوطة إلى معارف متاحة عالمياً، لتستعيد المكتبة دورها التاريخي كمركز إشعاع معرفي وجسر يربط بين تاريخ الأمة الإسلامية ومستقبلها.

