Published On 5/5/2026
|
آخر تحديث: 21:23 (توقيت مكة)
في إطار الدورة الحادية والثلاثين لمعرض الرباط الدولي للنشر والكتاب، أقيمت ندوة استعادت أعمال الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب، مؤكدة أن إرثه الشعري لا يزال حيًا ويتجاوز عمره القصير. الندوة، التي جمعت شعراء ونقادًا من المغرب والعراق، سعت إلى إعادة قراءة شاملة لأعمال السياب، بدءًا من بداياته الرومانسية وصولًا إلى قصائده المتأخرة، مما يبرز أهمية هذه الفعالية الثقافية في استلهام الأجيال الجديدة من قامة شعرية بارزة مثل بدر شاكر السياب.
شهدت قاعة “الشريف الإدريسي” نقاشات معمقة حول مسيرة السياب الشعرية، حيث وصفه الشاعر العراقي عمر السراي بأنه “كان حقيقيًا لدرجة أنه يشبه نفسه حين يكتب”. وأشار السراي إلى أن السياب كتب من قلبه مباشرة، دون تزييف أو تصنع، وقدم قوسًا تطوريًا للشعر العربي بدأ بالرومانسية الكلاسيكية وانتهى بتجربة ذاتية مجردة، كاشفًا عن جوهر الشاعر الناضج في أسمى صوره.
شاعر الحقيقة والتجرد: بدر شاكر السياب
وصف الشاعر والناقد المغربي محمد بودويك السياب بأنه “شاعر الوصل والفصل”، نظرًا لتأثيره العميق في مسار الشعر العربي الحديث. وأوضح بودويك أن السياب، بعبقريته الفذة، جدد الشعر الرومانسي وأعطاه أبعادًا جديدة، حتى قبل صدور قصيدته الأشهر “أنشودة المطر”. هذه القصيدة، التي وصفها أدونيس بـ”القصيدة العملاقة”، لم تكن مجرد عمل شعري، بل مثلت نقلة نوعية في معجم الشعر العربي وأسست لحداثته.
يُنسب إلى السياب، إلى جانب شعراء مثل نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، الفضل في تحرير القصيدة العربية من قيودها التقليدية في منتصف القرن العشرين. فقد نجحوا في إحداث تجديد في لغة الشعر وإيقاعاته وصوره، متحولين من الشعر العمودي إلى الشعر التفعيلي الحر، وهو ما يظهر جليًا في إبداعات بدر شاكر السياب.
“أنشودة المطر”: رؤية مستقبلية في الشعر العربي
أبرزت الناقدة المغربية حورية الخمليشي أن قصيدة “أنشودة المطر” لبدر شاكر السياب كانت “سابقة لزمانها” بمعنى الكلمة. فقد استطاعت أن تتناغم مع الفنون البصرية كالسينما والتصوير الفوتوغرافي، وأن تحتضن الموسيقى بإيقاعها الفريد، مما يجعلها علامة فارقة في الشعر العربي. ترى الخمليشي أن هذا الترابط النصي والفني يعكس عالمية السياب وقصيدته التي تنبأت بما سيأتي في المستقبل الشعري.
السياب وابن بطوطة: رحلة عبر الزمان والمكان
يستمر معرض الرباط الدولي للنشر والكتاب حتى 10 مايو/أيار، بمشاركة واسعة من 891 عارضًا من 61 دولة، ويقدم برنامجًا ثقافيًا حافلًا يضم أكثر من 200 فعالية. وتتوج الدورة الحادية والثلاثون بوجود شخصية محورية لافتة، وهي الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة. هذا التجاور بين رحالة القرن الرابع عشر وشاعر القرن العشرين يعكس فكرة البحث عن آفاق أوسع، فكلاهما خرج من محيطه ليترك بصمة خالدة.
يختتم المعرض أعماله بتأكيد أن الشعر الحقيقي، الذي ينبع من القلب، لا يموت بوفاة صاحبه. فالسياب، على الرغم من رحيله المبكر، لا يزال مطره غزيرًا، وكما أشارت الخمليشي، فإن قصائده “لا تزال قادمة من المستقبل الشعري”، مما يؤكد استمرارية تأثير بدر شاكر السياب على الأدب العربي.

