Published On 19/2/2026
|
آخر تحديث: 21/2/2026 14:52 (توقيت مكة)
يمثل شهر رمضان المبارك، الذي يبدأ في 19 فبراير 2026، محطة خالدة في التاريخ الإسلامي، فقد شهد العديد من الفتوحات الكبرى والتحولات المصيرية التي شكلت مسار الحضارة الإسلامية. من فتح الأندلس في بدايات القرن الثامن الميلادي إلى دحر جحافل المغول في قلب الشام، برز رمضان كشهر الفتوحات العظيمة.
في قلب هذه الأحداث التاريخية، تقف معركة شقحب، التي وقعت في رمضان عام 702 هـ (1303م)، كبرهان ساطع على صمود المماليك وعزيمتهم في إنهاء الطموح المغولي نحو السيطرة على بلاد الشام ومصر. هذه الملحمة لم تكن مجرد صراع عسكري، بل امتزج فيها صليل السيوف بمداد العلماء، لتترك بصمة لا تُمحى في الذاكرة الإسلامية.
الرهان على ابتلاع الشام
شهد العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري لحظات عصيبة مع اجتياح الإعصار المغولي الذي أطاح بالخلافة العباسية والدولة الأيوبية. ورغم الانتصار الحاسم في عين جالوت في 25 رمضان عام 658 هـ (1260م) بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ضد جيش هولاكو، استمرت تحرشات المغول ومحاولاتهم لاستعادة نفوذهم في بلاد الشام. تفاقمت هذه الأزمة مع ولاية السلطان الناصر محمد بن قلاوون، حيث حشد خان المغول غازان جيوشاً جرارة تجاوزت مئة ألف مقاتل بقيادة قطلوشاه، مستغلين حالة الاضطراب، ليغزووا حماة ويتجهوا نحو دمشق.
“شيخ الإسلام” في خط المواجهة
برز العلامة تقي الدين ابن تيمية كشخصية محورية في معركة شقحب، متوليًا مهام عظيمة تجاوزت الجانب العسكري. فقد حسم الشبهات الفكرية حول قتال المغول بإصداره فتوى بأنهم “من جنس الخوارج” الذين يتوجب قتالهم لدفع خطرهم عن الدين. كما قام بدور تعبوي كبير، حيث طاف بين الجنود والأمراء لحثهم على القتال، مؤكدًا ثقته بالنصر بقوله: “إنكم لمنصورون!”. ولم يكتفِ ابن تيمية بالنظريات، فقد أظهر قدوة ميدانية عبر إفطاره في نهار رمضان ليفتي بجواز الفطر للتقوي، وشارك بنفسه في ساحة المعركة. لقد كانت كلماته، مثل قوله الشهير: “إذا رأيتموني في ذلك الجانب (جانب العدو) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني”، عاملًا حاسمًا في تثبيت أقدام المقاتلين وإزالة التردد.
شقحب.. ملحمة السبت الرمضاني
في مستهل رمضان عام 702هـ (أبريل 1303م)، التقى الجيشان في سهل شقحب بالقرب من دمشق. ومع بداية المعركة في اليوم الثاني من رمضان، تمايلت الكفة في البداية نحو المغول، الذين ضغطوا على الميمنة المملوكية. إلا أن ثبات السلطان الناصر محمد، الذي قاد جيشه بشجاعة، أعاد التوازن للميدان. مع غروب شمس ذلك اليوم، لجأ المغول إلى جبل “غباغب” ليصبحوا محاصرين من قبل المماليك. وفي صبيحة الثالث من رمضان، حاول المغول الفرار، لكن المماليك أحكموا الحصار، وأبادتهم في معركة حاسمة.
ما بعد شقحب
اعتبر المؤرخ صلاح الدين الصفدي أن معركة شقحب كانت هزيمة لا مثيل لها للمغول، فقد “كادت تأتي على نوعهم فناء”. لقد شكلت هذه المعركة نهاية التوسع المغولي في المنطقة، واستعادت خلالها دمشق والقاهرة مكانتهما كمركزين للحضارة الإسلامية. دخل السلطان الناصر دمشق في موكب احتفالي في الخامس من رمضان، معلناً نهاية “أسطورة المغول” في الأرض المقدسة.
فتح المغرب الأوسط
شهد شهر رمضان أيضاً فتح المغرب الأوسط، حيث تمكن القائد حسان بن النعمان، بدعم من الخليفة عبد الملك بن مروان، من حسم الصراع مع البربر بقيادة الكاهنة “ديهيا” في عام 74هـ (698م). بعد مقتل الكاهنة، انضم الآلاف من جنودها إلى جيش المسلمين بعد اعتناقهم الإسلام، مما أنهى النفوذ البيزنطي في تونس وأدّى إلى توحيد المغرب الكبير تحت راية الإسلام.
التحولات السياسية الكبرى
كان تولي عبد الملك بن مروان الخلافة في 2 رمضان عام 65هـ (685م) بداية لإنهاء الفتن في الدولة الإسلامية، وشهد عصره تعريب الدواوين وإصدار أول عملة إسلامية خالصة. كما قرر السلطان صلاح الدين الأيوبي في عام 587هـ (1191م) هدم أسوار عسقلان وتحطيمها لحمايتها من الوقوع في أيدي الصليبيين، مؤكداً بذلك حرصه على حماية بيت المقدس. وفي عام 50هـ (670م)، شرع الفاتح عقبة بن نافع في بناء مدينة القيروان بتونس، التي أصبحت مركزاً حضارياً وعلمياً هاماً في شمال أفريقيا.
تستمر هذه الأحداث التاريخية لتؤكد مكانة شهر رمضان كشهر مفصلي في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث تتجسد فيه روح الجهاد والتضحية والتأسيس الحضاري.



