لطالما هيمن خطاب نقدي حاد على مقاربة الظاهرة القبلية في اليمن، حيث رأت فيه أدبيات التيارين الليبرالي والاشتراكي نقيضاً بنيوياً للدولة وأداة لتقويض مؤسساتها. وسط هذا الجدل، يبرز كتاب الأستاذ الراحل محمد محسن الظاهري، “الدور السياسي للقبيلة في اليمن (1962-1990)”، ليقدم قراءة علمية مغايرة تتجاوز الأحكام القيمية. يُنظر إلى هذا العمل كحجر زاوية في المكتبة السياسية اليمنية، حيث لا يمكن تشريح العلاقة الملتبسة بين القبيلة والدولة دون الرجوع إليه.
يتتبع الظاهري في كتابه آليات اشتغال القبيلة داخل النظام السياسي اليمني، محللاً تأثيرها في صنع القرار، وهندسة النخبة الحاكمة، وتعقيدات التكامل الوطني. يكتسب الكتاب أهميته الخاصة من تركيزه على الفترة المفصلية 1990-1992، أعقاب إعلان الوحدة، وهي مرحلة كان من المنتظر أن تتبلور فيها ملامح الدولة الحديثة. يضع الكتاب سؤالاً جوهرياً: هل استطاعت التحولات السياسية الكبرى إعادة صهر القبيلة في بوتقة المواطنة، أم أن القبيلة هي من أعادت صياغة الدولة على مقاس نفوذها؟
القبيلة اليمنية والاتجاهات النظرية
تستند أغلب الكتابات اليمنية المهاجمة للقبيلة إلى اتجاهات نظرية غربية ليبرالية أو اشتراكية ماركسية. يثبت الظاهري بالتحليل العلمي أن هذه النماذج غير قابلة للإسقاط المباشر على الواقع اليمني. فالنظرة الغربية الليبرالية غالباً ما تعتبر القبيلة كياناً راكداً تاريخياً، وبنية تقليدية يجب تحطيمها. لكن الظاهري يرى أن هذه الرؤية لا تتفق مع الحالة اليمنية، حيث كانت القبيلة جزءاً أساسياً من الدولة، بل كانت في اليمن القديم نواة لتكوين الدولة، فيما يعرف بـ “دولة القبيلة”. كما أن القبيلة اليمنية المعاصرة تعيش وتتعايش مع الدولة، بل تشارك النظام السياسي في صنع قراره، وتمارس مهاماً ووظائف يفترض أن تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني في مجتمعات أخرى.
يشير الظاهري إلى محدودية الفهم الماركسي لدور القبيلة التحديثي، معتبراً أن هناك خللاً في افتراضات النظرية الماركسية ذاتها، وقصوراً في معرفتها بالمجتمعات القبلية العربية. أما الرؤية الإسلامية للقبيلة، فقد سلكت طريقين: الأول هو الإبقاء على الأشكال التنظيمية القائمة مع تطوير مضامينها، والثاني هو بلورة أشكال تنظيمية جديدة كالأمة الإسلامية. وقد أقر الإسلام القيم القبلية الإيجابية كالتماسك والتلاحم والمروءة، ورفض القيم السلبية كالعصبية الضيقة والثارات.
القبيلة والحداثة في اليمن
يؤكد الظاهري أن الظاهرة القبلية، كأي ظاهرة اجتماعية سياسية، لها إيجابياتها وسلبياتها. لقد فشلت المؤسسات الحديثة كالأحزاب والاتحادات في تحطيم المؤسسات التقليدية كالقبيلة، أو أن تكون بديلاً وظيفياً لها، نظراً لفاعليتها وتجذرها في المجتمع. فالتحديث لا يلغي الانتماءات الأولية، بل يسعى للبناء عليها وتوظيفها للصالح العام. وتظل القبيلة، رغم النمو السريع للمدن والتعليم والتعرض لوسائل الإعلام، كياناً تقليدياً فعالاً في المجتمع اليمني، حيث لا تزال القيم القبلية متأصلة لدى الكثيرين.
النظرية الخلدونية والقبيلة اليمنية
يوضح المؤلف أن بعض المفاهيم الخلدونية، كـ “الوعي العصبي” و”النسب العام”، تظل ذات أهمية تحليلية في فهم الواقع الاجتماعي والسياسي اليمني. فقد كانت الدولة اليمنية القديمة قبلية النشأة، عبارة عن تجمعات أو اتحادات قبلية تحولت إلى دول. وقد عرف اليمن تاريخياً ظاهرتي “التوحد” و”الانقسام”، ويرجع ذلك إلى الموقع الجغرافي، والقبيلة، والمذهبية الفقهية. أما في العصر الحديث، فقد دخلت اليمن عصر “الدولة الموحدة”، واستمر الدور السياسي للقبيلة نتيجة لمحددات مجتمعية وثقافية وقيادية وخارجية.
القبيلة والنظام السياسي في اليمن
ناقش الكتاب الدور السياسي للقبيلة في اليمن بين عامي 1962 و1990، مؤكداً استمرار هذا الدور حتى الآن. ورغم تنامي نفوذ القبيلة، لم ينجح شيوخ القبائل في تسنم رئاسة الدولة، ويرجع ذلك إلى “التوازن العصبي” المتبادل الذي يمنع أي زعيم قبلي من الانفراد بالسلطة. يلجأ الشيوخ غالباً إلى طرف ثالث غير قبلي لخوض غمار الحكم، مقابل الحصول على حكم قبائلهم وإشراكهم في صنع القرار. يوضح المؤلف أن تزايد النفوذ القبلي يقابله تضاؤل دور الدولة المركزية، وأن القبيلة ظلت الداعم الرئيسي للدولة، بقدر ما هي مهدد فاعل لها عند إخفاقها في مهامها. كما مارست القبيلة دوراً إيجابياً في مقاومة قهر السلطات الحاكمة، ويعتبر الكتاب أن الدولة فشلت في إخضاع القبيلة أو تهميش دورها، فكان سعيها لارضائها واحتوائها.
القبيلة والهوية الوطنية
تراوحت العلاقة بين القبيلة والدولة اليمنية بين التعايش والصراع والتحالف، حيث يغلب الولاء للقبيلة على الولاء للدولة في حالة التعارض. ومع ذلك، يوجد “وعي بالهوية اليمنية” كهوية عامة ومشتركة. تعد القبيلة من أهم “الجماعات الوسيطة” التي تقوم بوظائف مجتمعية عديدة، مثل التنشئة الاجتماعية والسياسية، وتجميع المصالح والتعبير عن المطالب. كما شكلت القبيلة “ملاذاً وحمى” لبعض الأحزاب السياسية، وتمتلك سمات الحزب السياسي وجماعة المصلحة أو الضغط، كما يتجلى في موقف شيوخ القبائل من قانون الأسلحة. يتضح أن القبيلة اليمنية تسعى لتعديل المقترحات بما يخدم مصالحها.
القبيلة اليمنية والوحدة اليمنية
لاحظ الكاتب أن معظم القبائل اليمنية أيدت الوحدة اليمنية ولم تعارضها، ورفضت محاولات إعادة التشطير، ولعبت دور الوساطة عام 1993. يخلص الكاتب إلى أن القبيلة ليست بالضرورة مناقضة للدولة، بل مكملة لوظائفها ورادعة لها عن طغيانها. ويلجأ المواطن اليمني إلى قبيلته لغياب دولته وتجاوز حكامها، ويتشبث بأعراف القبيلة لغياب قوانين الدولة وعدم تنفيذها. وتستمد شرعية بقاء القبيلة اليمنية من لا شرعية الحاكم السياسي، مما يجعل قيام سلطة سياسية حديثة عادلة متطلباً سابقاً لوجود قبيلة أكثر فاعلية ونظام سياسي أكثر استفادة. يجب مراقبة تطور العلاقة بين القبيلة والدولة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية القادمة.

