هوليوود: صانعة التاريخ أم مرآة سياساته؟
تُظهر هوليوود، على مر تاريخها الطويل، قدرة فائقة على تشكيل تصورات الجمهور حول الأحداث التاريخية. وغالبًا ما تتجاوز صناعة الأفلام الأمريكية مجرد سرد القصص لتعيد صياغة الوقائع التاريخية لتتوافق مع رؤى سياسية وأيديولوجية محددة، لا سيما تلك المرتبطة بالولايات المتحدة. وتُعد الأفلام التي تتناول الحروب التي خاضتها أو شاركت فيها الولايات المتحدة، ساحة واضحة لهذا التلاعب، حيث تمتزج الحقائق بالخيال لإعادة كتابة التاريخ بأقلام هوليوودية، وتقديمها كحقيقة مطلقة.
هذا الانحياز الواضح للرواية الأمريكية ليس سراً، فقد اعترف مخرجون أمريكيون بارزون، مثل أوليفر ستون، في حوارات سابقة مع مجلة اليونسكو، بأن السينما كثيراً ما شوهت التاريخ وصنعت أبطالاً من أشخاص فارغين، بل إنها “تصنع تصورك لمن هو الشرير”. هذه المقالة تستعرض كيف استُخدمت صناعة السينما في هوليوود، عبر عقود، لخدمة أهداف سياسية، خاصة في تصوير الحروب والأقليات، لتشكيل الرأي العام العالمي.
التمييز العنصري في أمريكا: هوليوود تتصدر المشهد
بدأت هوليوود في تشكيل صور نمطية سلبية منذ بداياتها. ففي عام 1915، وبعد عام على عرض فيلم “ولادة أمة” لديفيد غريفيث، والذي أحدث ثورة تقنية في التصوير، أثار الفيلم جدلاً واسعاً بسبب عنصريته وتمجيده لجماعة كو كلاكس كلان. تناول الفيلم فترة الحرب الأهلية الأمريكية، مصوراً الأمريكيين من أصول أفريقية كشخصيات ساذجة وعدوانية، في حين قدمت جماعة كو كلاكس كلان كمنقذ. وقد حضر الرئيس وودرو ويلسون عرضاً خاصاً للفيلم في البيت الأبيض، ووصفه بأنه “أشبه بكتابة التاريخ بالكاميرا”، مما يدل على مدى تأثيره المبكر في الخطاب السياسي.
لم تقتصر الصور النمطية السلبية على الأمريكيين من أصول أفريقية، بل طالت أيضاً السكان الأصليين. في فيلم “الحصان الحديدي” عام 1924، صور المخرج جون فورد الصراع بين السكان الأصليين والعاملين في بناء السكك الحديدية باعتباره مواجهة بين “الهنود الحمر العدائيين” والبيض المدافعين عن مشاريعهم. وفي أفلام أخرى مثل “عربة الجياد” (1939)، غالباً ما ظهر السكان الأصليون كعنصر درامي لتعزيز صورة البطل الأبيض.
الحروب الأمريكية: سعي لفرض الرواية
تجلت الأجندة السياسية لهوليوود بوضوح في تصوير الحروب التي خاضتها أو شاركت فيها الولايات المتحدة. خلال الحرب العالمية الثانية، قبل دخول أمريكا الحرب رسمياً، أنتجت هوليوود أفلاماً مثل “العاصفة المميتة” (1940) الذي صور خطر صعود هتلر. وبعد دخول الحرب، دعا الرئيس روزفلت صناع الأفلام لإنتاج أفلام دعائية لدعم المجهود الحربي.
أما في فترة الحرب الباردة، انقلب الخطاب على الاتحاد السوفيتي، حيث صورت أفلام مثل “الستار الحديدي” (1948) الجواسيس السوفييت كأشرار. أثناء حرب فيتنام، اتخذت هوليوود مسارين: الأول، صور الجنود الأمريكيين كأبطال ضد “العدو الفيتنامي الشرير”، كما في فيلم “القبعات الخضر” (1968). المسار الآخر، الأكثر ندرة، حاول تصوير حقيقة الحرب بشكل أوضح، مثل فيلم “فصيلة” (1986) لأوليفر ستون، الذي أظهر بعض جرائم الحرب الأمريكية.
بعد غزو العراق في عام 2003، أنتجت هوليوود أفلامًا انقسمت إلى اتجاهين. الأول، صور العراقيين كإرهابيين أو أعداء، كما في فيلم “المنطقة الخضراء” (2010). والاتجاه الثاني، ركز على المعاناة النفسية للجنود الأمريكيين، مثل فيلم “موطن الشجعان” (2006). وفي المقابل، اعتبرت أفلام مثل “القناص الأمريكي” (2014) مضللة، حيث قدمت بطلها كجندي لا يُقهر يقتل بوحشية، مما أثار تساؤلات فلسفية حول طبيعة البطولة والواقع.
إسرائيل في هوليوود: تغيير الصورة النمطية
لم تكتفِ هوليوود بصناعة أفلام عن الحروب، بل لعبت دورًا كبيرًا في تشكيل التصورات حول القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي. منذ الخمسينيات، بدأت هوليوود بتقديم صورة إسرائيل كضحية، خاصة بعد تناول معاناة الهولوكوست. بلغ هذا التعاطف ذروته بعد انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة عام 1967، لتتحول إلى قوة عسكرية عظمى، مما عزز من فخر اليهود الأمريكيين بهويتهم.
فيلم “الخروج” (1960) يعتبر مثالاً بارزاً على هذا التحول، حيث صور رحلة اليهود إلى فلسطين وصراعهم مع البريطانيين والفلسطينيين، مقدمًا رؤية أمريكية للاحتلال الذي توج بنجاح اليهود في تأسيس دولتهم.
المستقبل: الحاجة إلى رؤى سينمائية متعددة
لم تعد هوليوود مجرد صناعة ترفيهية، بل أصبحت قوة مؤثرة في كتابة التاريخ وتقديمه للعالم من منظور أحادي. إن حصر سرديات التاريخ في كاميرا واحدة، مدعومة بالدولار، يعني تهميش تجارب شعوب أخرى وتقديم روايات مشوهة. لذا، يبرز اليوم ضرورة أن تبادر السينما العالمية، وخاصة العربية، إلى كتابة تاريخها الخاص، وتقديم رواياتها المتنوعة قبل أن تلتهمها الكاميرا الأمريكية.
التركيز على إنتاج أفلام تعكس وجهات نظر مختلفة حول الأحداث التاريخية، هو الخطوة القادمة لضمان فهم أشمل وأكثر إنصافًا لتاريخ البشرية.


