بينما كانت تل أبيب تترقب “انفراجة دبلوماسية” يضع بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدمه في قلب العاصمة واشنطن، تحوّل المشهد فجأة إلى سلسلة من النفي المتسارع والارتباك البروتوكولي، الذي كشف عن تصدعات أعمق مما تبدو عليه في العلاقة مع البيت الأبيض. هذا التطور المفاجئ ألقى بظلال كثيفة على مستقبل التحالف الاستراتيجي بين القيادتين.
خلف الكواليس، لم تعد المعادلة بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقتصر على “التحالف الاستراتيجي” المعتاد، بل تحولت إلى ما تصفه المصادر المطلعة بـ”مباراة أعصاب صامتة”. تتصادم في هذه المعادلة رغبة نتنياهو في البقاء في مركز الصورة مع استراتيجية ترامب الجديدة القائمة على إدارة المشهد بمفرده، مما أدى إلى ارتباك في الخطوات الدبلوماسية.
القمة المتعثرة وفيتو إقليمي
تحول الحديث عن زيارة نتنياهو إلى واشنطن من انفراجة دبلوماسية محتملة إلى أزمة إعلامية استدعت استنفاراً من مكتبه. فبعد يوم حافل بالتلميحات، بدأ بحديث محاميه عميت حداد عن رحلة سياسية مرتقبة، سارع مكتب نتنياهو لنفي الخبر جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن التواصل مع الرئيس ترامب يتم “هاتفياً بوتيرة عالية”، في محاولة واضحة لإطفاء نيران التسريبات التي أحرجت الطرفين.
هذه التقديرات لم تكن وليدة الصدفة، إذ استندت إلى حراك جدي داخل البيت الأبيض يقوده ترامب شخصياً. ووفقاً لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية، كان هناك تخطيط لقمة ثلاثية تجمع ترامب ونتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون، في محاولة لكسر الجمود التاريخي المستمر منذ عام 1983.
ترامب، الذي يسعى دائماً لتحقيق “اختراقات كبرى”، كان يطمح لأن تكون هذه القمة مدخلاً لتسوية إقليمية شاملة، مستغلاً تمديد وقف إطلاق النار في لبنان. ورافق ذلك سقف توقعات مرتفع لنتنياهو، الذي ناقش بجدية احتمال سفره إلى واشنطن بعد عيد الاستقلال. إلا أن الحساسية السياسية المفاجئة، والضغوط التي تعرضت لها الأطراف، وخاصة الجانب اللبناني، والبرود الذي طرأ على علاقة ترامب بنتنياهو مؤخراً، حولت الزيارة من مناورة سياسية قوية إلى توقيت غير مناسب.
في الساحة اللبنانية، بدا المشهد أكثر تعقيداً. كان ترامب يطمح لتحقيق “خبطة” دبلوماسية كبرى بجمع نتنياهو وعون في البيت الأبيض. هذا اللقاء، الذي اعتبره ترامب تاريخياً، يمثل خطراً قاتلاً للرئيس اللبناني، ففي لبنان، يُعتبر الجلوس علناً مع رئيس وزراء إسرائيلي انتحاراً سياسياً، وقد يعرض حياة عون للخطر الجسدي أيضاً بسبب التوازنات الداخلية والضغوط، لا سيما من القوى المعارضة للتطبيع.
تقليص الحضور الإسرائيلي ولغة الخطاب المتغيرة
إلى جانب ذلك، يدور في الأيام الأخيرة في إسرائيل وواشنطن حديث متزايد عن برود يسود علاقة ترامب بنتنياهو، على خلفية الحرب ضد إيران. ونقلت صحيفة “معاريف” عن مصادر مطلعة قولها إن موقف ترامب المؤيد لإسرائيل لم يتغير جوهرياً، لكن الرئيس يرغب الآن في خفض سقف التوقعات فيما يتعلق بإسرائيل، وبالأخص نتنياهو.
وفقاً للتقديرات، توقع ترامب أن تسفر المعركة ضد إيران عن نتيجة أسرع وأوضح، ومع الوقت زادت رغبته في تقديم الهدف كمصلحة أمريكية مستقلة، وليس كحرب وجدت واشنطن نفسها في قلبها وبضغط إسرائيلي. بالنسبة لترامب، فإن “آخر شيء يحتاجه الآن هو المزيد من الصور مع نتنياهو في واشنطن”، مما يعكس استراتيجية الهروب من العدسات لإعادة صياغة الحدث.
بدأ ترامب يستخدم لهجة مختلفة، تُستخدم عادة مع الخصوم لا مع الحلفاء المقربين. وبينما نص الاتفاق المكتوب على حق إسرائيل في “الدفاع عن النفس”، اختار ترامب استخدام لغة آمرة وحازمة لم تعهدها الحكومات الإسرائيلية مع أي إدارة أمريكية سابقة، مصرحاً: “إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. إنهم ممنوعون (PROHIBITED) من القيام بذلك من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. لقد طفح الكيل”.
أُصيب نتنياهو ومستشاروه بالصدمة من منشور ترامب، الذي تعارض مع نص اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، إذ يحمل المنشور دلالة على أنه يصدر أمراً، وليس أمام إسرائيل أي خيار سوى الانصياع له. وفي مقابلة مع “أكسيوس”، كرر ترامب رغبته في إنهاء الضربات الإسرائيلية على لبنان، قائلاً: “على إسرائيل أن تتوقف. لا يمكنهم الاستمرار في تفجير المباني. لن أسمح بذلك”.
نتنياهو خارج اللعبة ومباراة أعصاب
يعتقد ترامب أن التعرض المفرط للعلاقة مع نتنياهو في هذا التوقيت قد يمنح منتقديه في الداخل ذخيرة. ورغم استمرار العلاقة، فإن علنيتها أصبحت حساسة بشكل خاص. وعلى خلفية ذلك، يتلقى نتنياهو انتقادات، وترى المصادر أن العلاقة بينهما تحولت إلى “مباراة أعصاب”، وهو ما يمثل نقطة ضعف لنتنياهو في هذه المرحلة، إذ كان من المفترض أن يقلص ظهوره وينتظر التطورات.
يعتمد نتنياهو على الحرب ضد إيران وصورته مع ترامب لإعادة تعويم نفسه سياسياً والهروب من تهم الفساد وإخفاقات 7 أكتوبر. ويسعى لاستثمار “نشوة النصر” العسكري للدعوة لانتخابات مبكرة، مراهناً على أن التحالف مع ترامب هو الورقة التي لا يمكن لأي منافس إسرائيلي آخر امتلاكها. وصل الدعم إلى حد مطالبة ترامب بمنح نتنياهو “عفواً استباقياً” عن تهم الفساد.
تُعرف العلاقة بأنها “ثنائي غريب” تتأرجح بين الدعم المطلق والتوتر الصامت. وبينما يروّج نتنياهو لترامب كأكبر داعم تاريخي لإسرائيل، أجبره ترامب على قبول تنازلات قاسية. كما أظهر ترامب سطوة غير تقليدية، حيث أمر بوقف القصف الإسرائيلي عبر “وسائل التواصل الاجتماعي” أثناء تحليق الطائرات، واستجاب نتنياهو بإعادتها.
ماذا بعد؟
تستمر العلاقة بين نتنياهو وترامب في كونها “مباراة أعصاب” ومقامرة كبرى. فإما أن تكون الحرب في إيران هي الفصل الذي ينقذ مسيرة نتنياهو السياسية للأبد بفضل دعم ترامب، أو تكون الفصل الأخير في حياته المهنية إذا لم تترجم الإنجازات العسكرية إلى أغلبية برلمانية.



