في عالم “حرب النجوم” (Star Wars)، يتحول الجنوب التونسي بصحرائه الشاسعة وشموسه المزدوجة إلى كوكب “تاتوين” الخيالي. من مطماطة، ببيوتها المحفورة الأرضية، إلى كثبان نفطة وتوزر الرملية، يستلهم هذا الكوكب المداري تفاصيله المعمارية والطبيعية الفريدة. لقد تحولت هذه المواقع، التي بنيت لتخدم الدراما السينمائية، إلى وجهة سياحية وثقافية بارزة لعشاق السلسلة، مما يعكس قوة السينما في تشكيل الذاكرة الجماعية وإعادة تعريف الجغرافيا.

يبرز الجنوب التونسي بفرادته البصرية، من بيوته التي تحفر في الأرض للحماية من حرارة الصحراء، إلى القرى الطينية التي تبدو وكأنها مستوحاة من حضارة مستقبلية، وفضاءاته الطبيعية التي تمنح شعور “الكوكب الآخر”. هذا التلاقي بين الواقع والخيال منح ولايات كاملة شهرة عالمية، وفتح باباً لسياحة ثقافية عميقة تستمر لعقود.

تونس: كوكب سينمائي غارق في الخيال

عندما بدأ جورج لوكاس في نسج خيوط كوكبه الصحراوي، لم يحتج إلى ابتكار تضاريس معمارية جديدة. فقد وجد في جنوب تونس ما بدا وكأنه عمارة مستقبلية موروثة، تمثلت في البيوت المحفورة تحت الأرض والقرى الطينية المتناغمة مع البيئة الصحراوية. اختار لوكاس تونس لتكون الخلفية الصحراوية الأساسية لفيلمه الأول “حرب النجوم” عام 1977، وامتد هذا الاختيار ليشمل أفلامًا أخرى في الثلاثية التمهيدية لاحقًا.

تشير المصادر إلى أن اسم “تاتوين” نفسه مستلهم من مدينة “تطاوين” في جنوب البلاد، ما يعكس الارتباط الوثيق بين المكان والأسطورة السينمائية. وتعد مدينة “موس إسبا” (Mos Espa)، وهي موقع تصوير حضري سينمائي، وديكوراتها ظلت صامدة في الصحراء، إضافة إلى موقع “عنق الجمل” (Ong Jemel) التي أصبحت نقاط جذب رئيسية.

مطماطة: البيت الصحراوي الذي احتضن “لوك سكاي ووكر”

أكثر المواقع رمزية في تجسيد “تاتوين” هي بلدة مطماطة، حيث توجد مساكن فريدة محفورة داخل الأرض، مصممة على شكل حفر دائرية وغرف تفتح على فناء داخلي. هذا النمط المعماري المحلي العريق، المعروف بمساكنه التروغلوديتية، وجد فيه جورج لوكاس بيت عائلة “لارس” (Lars Homestead)، مسقط رأس البطل “لوك سكاي ووكر”.

يُعد فندق “سيدي إدريس” (Hotel Sidi Driss) في مطماطة، الذي تم استخدامه كجزء من ديكور المنزل، اليوم مزارًا أيقونياً لجمهور السلسلة. هذه المساكن، التي صممت في الأصل لتكون حلاً عمليًا لمواجهة قسوة المناخ، أصبحت في عيون ملايين المشاهدين تجسيداً للخيال العلمي، مما يمنحها مصداقية بصرية فريدة بعيداً عن اصطناع الاستوديوهات، كما أشارت مجلة “سميثسونيان” Smithsonian.

صحراء توزر ونفطة: فضاءات “تاتوين” المفتوحة

لم تقتصر بصمة “حرب النجوم” على العمارة السكنية، بل امتدت لتشمل الفضاءات الطبيعية المفتوحة. استخدمت مواقع مثل “عنق الجمل” (Ong Jemel) في محيط توزر ونفطة، بكثبانها وسبخاتها، لرسم ملامح “تاتوين” الصحراوية. هذه المواقع طبيعية خلابة، أضافت بعداً واقعياً ومذهلاً للمشاهد السينمائية.

مدينة “موس إسبا” (Mos Espa)، التي ظهرت كمرفأ فضائي في فيلم “تهديد الشبح” عام 1999، بقيت ديكوراتها شاهدة على عبقرية تصميم المواقع. يصفها موقع Atlas Obscura بأنها ديكور مهجور ولكنه آسر، يختبئ وسط الرمال التونسية بالقرب من السبخات الملحية، وهو ما يمنحها هالة فريدة.

تعود جذور عملية التصوير في تونس إلى مارس/آذار 1976. ورغم التحديات التي واجهها فريق العمل، مثل الأمطار غير المتوقعة التي عطّلت تصوير “الصحراء الجافة”، إلا أن طبيعة موقع “شط الجريد” الصحراوية ساهمت في رسم ملامح مزرعة “لارس” والبيئة القاسية للكوكب، مقدمةً نتائج بصرية لا تُنسى.

الصخور والقصور: لغة الصراع والعبقرية الأمازيغية

شكلت الممرات الصخرية الطبيعية، التي تشبه المتاهات، عنصراً مهماً في بناء هوية “تاتوين” السينمائية. يُشار إلى منطقة “سيدي بوهلال” بأنها “وادي حرب النجوم” (Star Wars Canyon) بسبب استخدامها في مشاهد المطاردات والاشتباكات المبكرة في فيلم 1977.

في الثلاثية التمهيدية، عاد فريق الإنتاج لاستلهام العمارة التقليدية من خلال “القصور” (ksour) وحصونها، مثل “قصر حدادة” و”قصر أولاد سلطان” في جهة تطاوين. هذه المواقع، المعروفة بغرفها المقبّبة (ghorfas)، استخدمت لتصوير أحياء العبيد في “موس إسبا”، كاشفةً للعالم عن عبقرية العمارة الأمازيغية.

سياحة “حج المعجبين” واقتصاد الذاكرة

يجذب الجنوب التونسي “حج المعجبين”، حيث يأتي المتحمسون من كل أنحاء العالم ليعيشوا تجربة “تاتوين” في أماكنها الأصلية. يلتقط الزوار صوراً في فناء مطماطة أو فوق رمال توزر، محاولين استشعار الفارق بين الخيال السينمائي والواقع الملموس. وقد أشارت تقارير صحفية إلى أهمية هذه الزيارات للسياحة التونسية.

على الرغم من أن بعض هذه المواقع قد تدهورت بفعل عوامل الطبيعة، إلا أن الشغف بها لا يزال قوياً. تشكل هذه المواقع الورقة الرابحة التي تعوّل عليها تونس لجذب الزوار، خاصة بعد فترات الركود السياحي. لقد حولت السينما هذه القرى والمساكن إلى “اقتصادات ذاكرة”؛ فمطماطة لم تعد مجرد بيوت تحت الأرض، بل أصبحت “بيت لوك”، وصحراء توزر ونفطة صارت “ممرات تاتوين” الأسطورية.

ما القادم؟

مع استمرار الاهتمام العالمي بـ”حرب النجوم” والمواقع المرتبطة بها، تتجه الأنظار نحو الحفاظ على هذه المواقع التراثية السينمائية. تسعى السلطات التونسية المعنية بالسياحة والثقافة إلى تطوير البنية التحتية في هذه المواقع وزيادة الوعي بأهميتها التاريخية والسينمائية. إلا أن التحديات تظل قائمة، أبرزها الحفاظ على هذه الصروح في مواجهة التغيرات المناخية والتوسع العمراني المحتمل، وضمان استدامتها كمواقع جذب سياحي للأجيال القادمة.

شاركها.
Exit mobile version