في خطوة مبتكرة لمعالجة الفجوة بين الأدب الليبي الكلاسيكي واهتمامات الشباب المعاصر، يخوض الروائي محمد الزروق تجربة رائدة لتحويل نصوص الأدب الليبي الرصين إلى صيغ رقمية جذابة، أبرزها “الكوميكس” المشفرة بتقنية البلوكتشين. يهدف المشروع إلى إعادة إحياء الذاكرة الأدبية الليبية وإعادة دمجها في وعي الجيل الجديد، ملاحقًا اليافعين إلى عوالمهم الرقمية.
يتناول هذا الحوار رؤية الزروق لمشروعه الطموح، الرهانات والتحديات، والخيارات الفنية واللغوية، بالإضافة إلى دوره في ترسيخ مفاهيم الهوية والمواطنة لدى النشء في ظل التحولات المعقدة التي تمر بها ليبيا.
الرواية الليبية في عصر “البلوكتشين”
في ظل الاهتمام العالمي بمشاريع إعادة كتابة الكلاسيكيات لتناسب عقول النشء، يضع محمد الزروق مشروعه في سياق مختلف، يتجاوز مجرد التبسيط اللغوي أو حذف المشاهد غير الملائمة. يهدف مشروعه إلى إعادة تأويل النصوص وتقديمها بلغة ورؤية تتناغم مع اهتمامات وتطلعات جيل الشباب المعاصر، الذي يواجه تحديات مختلفة، أبرزها هيمنة التقنية الرقمية وتراجع معدلات القراءة.
ويوضح الزروق أن توثيق هذه الأعمال إلكترونياً وحفظها على تقنية البلوكتشين يأتي كمرحلة لاحقة بعد تقديمها بصيغة “الكوميكس”. هدفه الأسمى ليس مجرد “تسهيل” الكلاسيكيات، بل إعادة طرحها كنصوص حية قادرة على الدخول في حوار مع القارئ الصغير، ومسائلته حول قضايا الهوية والأخلاق والتجربة الإنسانية. يسعى المشروع إلى جسر الهوة بين النص الأدبي والقارئ الناشئ من خلال الوسائل المتاحة له.
“ما يشغلني ليس فقط تسهيل الكلاسيكيات، بل إعادة طرحها بوصفها نصوصا حيّة يمكن أن تلامس أسئلة القارئ الصغير المعاصرة”
على المستوى المحلي، يشير الزروق إلى ندرة التجارب المشابهة التي أعادت صياغة أعمال للكبار خصيصًا للصغار في ليبيا، رغم اعتيادهم على قراءة مثل هذه الأعمال في مراحل مبكرة. يذكر مشروعًا سابقًا للكاتب أحمد البخاري يهدف إلى تعريف الطفل الليبي بإرثه الثقافي والتاريخي. كما أشاد بأعمال الكاتبة غالية الذرعاني، التي دخلت إحدى رواياتها ضمن المشروع. عربيًا، يرى مشروعه ضمن اتجاه أوسع شمل فنانيين في دول مثل مصر، مع أمله في توسيع نطاق المشروع ليشمل لغات أخرى عند توفر الإمكانيات.
إستراتيجية اللغة: تهذيب اللفظ وتقريب التأويل
يتناول الزروق مسألة التعامل مع المفردات المحلية الغنية في الروايات، مؤكدًا على منهجه في تهذيب اللفظ والابتعاد عن الغموض، فالنص الأدبي يجب أن يكون متاحًا للتذوق والتأويل، لا اختبارًا لقدرات المتلقي. في مشروعه، يتم استبدال الكلمات الغامضة بأخرى أسهل، وفي حال كانت الكلمة المحلية ضيقة الانتشار ولا يمكن استبدالها، يتم شرحها في الهامش أو بين الأقواس، مما يثري الحصيلة اللغوية للقارئ اليافع.
تحدي عوالم إبراهيم الإمام
حول أعمال إبراهيم الإمام، يوضح الزروق أن اختياره ركز على السرد التاريخي، متجنبًا قدر الإمكان الجوانب الأسطورية أو الفلسفية المعقدة. نجح في تحويل النص إلى بنية درامية تناسب اليافعين، مستفيدًا من جاذبية قصص الحركة والقتال، رغم إدراكه لصعوبة تحويل أعمال أخرى للكاتب نفسه.
غرس المواطنة
تتحدث رواية “أم الزين” للدكتورة غالية الذرعاني، والتي أعاد الزروق صياغتها، عن مرحلة مضطربة من تاريخ ليبيا. يرى الزروق أن تقديم الأحداث بنبرة محايدة، مع إظهار تعاطف مع الثائر الفردي وصورته المتناقضة، يساهم في غرس فكرة أن الوطن أشمل من خلافات الناس وصراعاتهم، مما يعزز لدى اليافع مفاهيم المواطنة والهوية والانتماء للأرض.
“رواية أم الزين تغرس في الناشئ فكرة أن الوطن أشمل من كل الأفراد، وأوسع من خلافاتهم وحتى قتالهم”

معاناة النساء في “نساء توريللي”
يصف الزروق روايته “نساء توريللي” بأنها أصعب الأعمال التي خاض فيها مشروع إعادة الصياغة لليافعين، نظرًا لحساسية موضوعها الذي يتناول معاناة النساء الراشدات في مجتمع صعب. اضطر إلى استبعاد بعض المشاهد حفاظًا على ملاءمة اللغة والمحتوى للفئة المستهدفة، معربًا عن خشيته من أن تكون هذه النسخة هي “الأسوأ” بين الأعمال الثلاثة. ويقترح إجراء ورش عمل مع اليافعين لتقييم الأثر والتعديل.
أفق التوسع وحماية الذاكرة الوطنية
يؤكد الزروق على نيته توسيع مشروعه ليشمل تجارب روائية أخرى، مثل رواية “اختلاس ناعم” لخيرية فتحي عبد الجليل، وقصة “الأمازونات ومقاتل الريح” التي سبق أن كتبها للكبار. ويشير إلى أن تطوير هذه الأعمال بصيغ مصورة سيساهم في إحياء وحماية الذاكرة الوطنية الليبية، وأن تقنية البلوكتشين تلعب دورًا محوريًا في حفظ حقوق المؤلفين وتوثيق الإرث الثقافي.
تأصيل أدب اليافعين وشعرية المكان
يعتبر الزروق أن مشروعه يهدف إلى حفظ مكانة أدب اليافعين الليبي وإثراء تاريخه، وليس تأسيسه من الصفر. ويرى أن اهتمامه الخاص بالمكان ينبع من اعتباره كائنات حية تنطق بالماضي والحاضر والمستقبل، وتشكل ركنًا أساسيًا في العمل الروائي، بل هي “كل الرواية” بالنسبة له.
ويشيد الزروق بدور الشعر الليبي، القديم والحديث، في توثيق التحولات الكبرى التي مر بها المجتمع، مؤكداً أن الرواية الليبية تؤدي دورها هذا اليوم بكفاءة.
في ختام النقاش، يعبر الزروق عن أمله في استمرار المشروع وتوسعه، مؤكدًا أن الفترة القادمة ستركز على طباعة الأعمال المكتملة وتجهيز بعضها بتقنية الروايات المصورة، مع السعي المستمر لضمان وصول هذه القصص إلى أكبر شريحة من الشباب الليبي والعربي.

