طهران – في خطوة تتجاوز حدود الإنتاج السينمائي التقليدي، استغل صناع الفن الإيرانيون آثار الدمار الذي خلفته حرب رمضان، ليحولوا أنقاض المباني المستهدفة في العاصمة طهران إلى خلفيات طبيعية وتاريخية لمسلسل “أهل إيران”. يوثق هذا العمل الدرامي، الذي أُنتج وتسلم تحت وابل الصواريخ والغارات الأمريكية والإسرائيلية، تفاصيل حياة قاس قاس يعيشها المواطنون في ظل الحرب.
يُظهر المسلسل، الذي استغرق إنجازه 40 يوماً من الإنتاج المكثف، إصرار المخرجين والفنانين على التقاط الواقع المرير وتجسيده فنياً، مستفيدين من المؤثرات الصوتية والبصرية الطبيعية التي فرضتها الحرب. وقد رافق فريق “الجزيرة نت” قسماً من فريق العمل في جولات ميدانية لرصد كيفية تحويل مواقع القصف إلى لوحات حية، وتسجيل قصص إنسانية مؤثرة تتحدى الخطر.
الإنتاج المتزامن تحت القصف
تبلورت فكرة مسلسل “أهل إيران” في الأيام الأولى لحرب رمضان، عندما كان القصف الشديد في أوجه. يقول هادي فيروزمند، المستشار الإعلامي للفريق، إن نواة الفكرة ولدت في ذهن المخرج محمد حسين مهدويان بسرعة تلبية للحاجة لتوثيق تلك الأيام الأليمة. “لم ننتظر انتهاء الحرب”، يؤكد فيروزمند، “بل باشرنا التصوير تحت القصف مباشرة”.
ويضيف فيروزمند، الذي يمسك أحياناً بحفنة من الركام مستشعراً رائحة البارود، أن المسلسل واجه تحديات جمة. خلال احتفالات “الأربعاء الأحمر” التقليدية، وقع انفجار على بعد أقل من 200 متر من موقع تصوير مشهد لنقاط تفتيش تعرضت لقصف مباشر. هذا الانفجار، الذي لم يكن مخططاً له، أصبح جزءاً من إحدى الحلقات، رغم تأثيره الكبير على معنويات الفريق.
أما عن الأجواء الحقيقية للتصوير، فيروي فيروزمند قصة موقع تصوير في “دار حضانة” بمنطقة “نازي آباد” جنوبي طهران، تم إخلاؤها بسبب الحرب. خلال تصوير قصة عن أطفال، كانت أنظمة الدفاع الجوي تطلق صواريخها لاعتراض المقاتلات في الخلفية، وكانت دوي الانفجارات يُسمع بوضوح، دون الحاجة لإضافة مؤثرات صوتية. “لو استمع أحد المشاهدين إلى الحلقات، سيلاحظ أصوات الدفاع الجوي التي علقت على التسجيل،” يقول فيروزمند.
يهدف هذا المشروع، بحسب فيروزمند، إلى تخليد قصص أبطال عاشوا الحرب بأجسادهم وأرواحهم، ليعرف الجيل القادم كيف كانت الحياة تحت القصف، وكيف وقف الفنانون مع شعبهم في أحلك الظروف. “هذه ليست مجرد دراما. هذا عمل ينتمي إلى تاريخنا،” يؤكد.
ديكور طبيعي من أنقاض الحرب
يُشير فيروزمند إلى مبنى متصدع في الشارع المقابل، حيث تقوم زميلته سبيده شريعت رضوي، مسؤولة العلاقات العامة، بمهام مشابهة. توضح رضوي أن المسلسل يتكون من 14 حلقة منفصلة، لكل منها مخرج وكاتب مستقل، مع مشاركة 12 مخرجاً. القصص مستوحاة من أحداث حقيقية، مثل قصة شهداء مدرسة ميناب للبنات، أو قصة المدمرة “دنا” التي استهدفتها البحرية الأمريكية، بالإضافة إلى حكايات أخرى عاشها الناس خلال الحرب.
تؤكد رضوي أن كل عملية الإنتاج، من الكتابة إلى التصوير والمونتاج، تمت تحت القصف أو بعده بفترات قصيرة، وداخل شوارع طهران، وليس في استوديوهات آمنة. “كنا حاضرين حيث يحدث الألم الحقيقي”، تقول.
تكشف رضوي عن حجم التنظيم المذهل، حيث عملت 5 مجموعات إنتاج في وقت واحد، في 5 نقاط مختلفة من المدينة. بمجرد انتهاء التصوير، كانت المواد الخام تذهب فوراً إلى غرف المونتاج، ليعمل فريق الصوت والموسيقى بالتوازي. تم تصميم نظام موحد لمصمم ديكور واحد وملحن واحد لجميع الحلقات، لضمان التماسك الفني.
تضيف رضوي مبتسمة: “حاولنا أن نستخدم الدمار الحقيقي كديكور طبيعي، بما في ذلك المباني المهدمة التي تحول بعضها إلى خلفيات للمشاهد الدرامية.. كنا نصور على الأنقاض، بينما كان الممثلون يمثلون مشاهد عن الحياة تحت الحرب.” خلال 40 يوماً فقط، تمت كتابة 14 نصاً، وصورت غالبية المشاهد تحت القصف، ثم مونتاجت وسجلت الموسيقى التصويرية، وبث أول حلقتين خلال أيام الهدنة، وسيتم بث الحلقات الأخرى في أيام الجمعة المقبلة.
مهمة الفن في زمن الحرب
كان ضمان سلامة الفريق أحد أكبر التحديات، حسبما أوضحت رضوي، مشيرة إلى أنهم كانوا يتعاملون مع الموت كل يوم. “في بعض الأيام كانت الغارات الجوية تجبرنا على التوقف، لكن إصرار المخرجين كان أقوى من كل شيء.” لحسن الحظ، لم يصب أي من أفراد الفريق بأذى.
في هذا السياق، تشير سارا مسعودي، الخبيرة السينمائية والكاتبة المتخصصة في الشؤون الثقافية، إلى أن تصوير الأفلام تحت القصف ليس جديداً، بل له تاريخ طويل منذ الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى العدوان الأخير على غزة. وتوضح أن إصرار المخرجين على التصوير في مواقع حقيقية خطيرة يعود إلى عدة أسباب:
أولاً، الوصول إلى واقعية لا يمكن تقليدها في الاستوديوهات.
ثانياً، جعل المشاهد يشعر بالحدث ويعيشه بعمق أكبر عندما يعلم أنه حقيقي.
ثالثاً، تحويل هذه المشاهد والأفلام إلى وثائق تاريخية فريدة للباحثين والمؤرخين.
رابعاً، تحقيق توفير اقتصادي كبير بدلاً من بناء ديكورات ضخمة.
لكن الأهم، بحسب مسعودي، هو “الإيمان الشخصي والالتزام الأخلاقي للمخرجين لتسجيل الحقيقة”.
تضيف الباحثة الإيرانية ظاهرة موازية، وهي أن سينما إيران لم تتوقف طوال فترة الحرب الأخيرة، حيث كانت دور السينما مفتوحة وتبيع التذاكر. “هذا يعكس صورة عن الحياة في المجتمع الإيراني الذي يحاول أن يعيش بشكل طبيعي، وأن يواجه الحرب ليس فقط بالصواريخ، بل بالفن والثقافة أيضاً.”
في هذا السياق، تشير مسعودي إلى أفلام أخرى مثل “نيمه شب” (منتصف الليل) وفيلم “قماربازها” (المقامرون)، والتي عُرضت في مهرجان فجر السينمائي، كأمثلة على إنتاجات فنية مماثلة أنتجت إبان حرب الـ12 يوماً، إلى جانب العديد من الوثائقيات التي لا تزال قيد الإنتاج عن الحرب الأخيرة.
في طهران، حيث لا يزال السكان يسمعون أصوات المضادات الجوية ليلاً، يصر قطاع السينما الإيراني على أن الحياة يمكن أن تنتصر بالكلمة والصورة، وأن الإبداع قد يزدهر تحت الأنقاض. سيتم بث الحلقات الأخرى من مسلسل “أهل إيران” في الجمعة المقبلة، لتروي للأجيال القادمة قصة صمود وإبداع في زمن الحرب.


