غزة – في خيمتها المتواضعة جنوب قطاع غزة، تجد الفنانة التشكيلية أحلام عبد العاطي ملاذاً وسط الدمار، حيث تعلّق لوحاتها الناجية من الحرب الإسرائيلية على جدران قماشية بالية. هذه الأعمال ليست مجرد قطع فنية، بل هي “كأطفالها”، كما تصفها، وذاكرة حية فقدت جزءاً كبيراً منها تحت أنقاض منزلها ومرسمها في مدينة غزة، لكنها لا تزال تروي قصص الصمود والأمل.
منذ اندلاع الحرب، اضطرت عبد العاطي وأطفالها الثلاثة للنزوح المتكرر، حاملين معهم ما استطاعوا من مقتنيات، على رأسها لوحاتها التي تشكل نبض حياتها. في خيمتها بخان يونس، تحولت الألوان والخيال إلى سلاح لمواجهة الواقع المرير، حيث أصبحت الخيمة مساحة فنية ومركزاً للدعم النفسي للأطفال النازحين، تجسد فيها الفنانة بإلهام عن مقاومة الشعب الفلسطيني.
لوحات من تحت ركام دمار الحرب
مع كل صباح، تفتح الفنانة أحلام عبد العاطي خيمتها الدراسية، محوّلة إياها إلى فصل فني صغير يعج بالأطفال النازحين. تستخدم لوحاتها القديمة، ومن أبرزها لوحة للراحلة شيرين أبو عاقلة، لشرح دروس الرسم وتقديم الدعم النفسي لهم. الأطفال، الذين فقدوا منازلهم ومدارسهم، يجدون في هذه الخيمة فسحة للأمل والتعبير عن معاناتهم من خلال فنهم.
في المساء، تتحول الخيمة إلى مرسمها الخاص. تتأمل عبد العاطي لوحاتها السابقة، التي تمثل حياة سلبتها الحرب، وترسم لوحات جديدة بأصابعها وبعض الفرش والألوان الشحيحة. قبل الحرب، كان مرسمها يضم أكثر من 100 لوحة، لكن معظمها تحول إلى أنقاض، ولم يتبق سوى القليل الذي استطاعت انتشاله، والذي أصبح الآن كنزها وملاذها.
تستعيد عبد العاطي ذكريات ما قبل الحرب، حين كانت تقيم معارضها وتشارك في فعاليات فنية. تشير بأسى إلى اللوحات القليلة المعلقة على جدران خيمتها، وهي كل ما تبقى من أعمالها. تصور هذه اللوحات قسوة الحرب، ومنها لوحة جديدة تصور معاناة المرأة الفلسطينية النازحة في الخيام، والتي تحمل طابعاً سريالياً يعكس شدة التجربة.
الفن كمقاومة وذاكرة حية
لم تكتفِ أحلام عبد العاطي بالرسم لنفسها، بل حولت الفن إلى أداة مقاومة ووسيلة لتوثيق الواقع. بعد أن دمرت الحرب مدرستها “أحلام غزة” التي أسستها في رفح، رفضت الاستسلام وأعادت افتتاحها مراراً. تركز المدرسة على تعليم الأطفال الفنون وتقديم الدعم النفسي، معتبرة أن الفن هو نافذة للأمل وسط واقع مرير.
الطفلة لما العديني، 11 عاماً، هي إحدى رواد هذه المدرسة. نزحت مع أسرتها إلى خيمة منذ شهور، وتجد سعادتها في أحلام غزة. تتحدث عن الخيمة كرمز للألم اليومي، وهو ما ينعكس في رسوماتها. ترى عبد العاطي أن هذه الأعمال الفنية توثق معاناة الشعب الفلسطيني، وتحفظ الذاكرة من النسيان.
في ظل استمرار الحرب، ترى عبد العاطي في الرسم صرخة في وجه الإبادة ورسالة حياة. تصر على البقاء في غزة، وتوريث أطفالها أن الأرض الفلسطينية تستحق الحياة. تسعى جاهدة لتبقى فنونها شاهداً على الصمود، ولتصل رسالتها إلى العالم عبر الألوان والخطوط، مؤكدة على أهمية الثقافة والفن في مواجهة المحن.
تستمر أحلام عبد العاطي في تحدي سبل العيش القاسية في غزة، مستخدمة فنها كأداة للتعبير عن الصمود والتذكير بالحقوق. مع استمرار الحاجة الملحة للمواد الفنية، يبقى ابتكارها وإصرارها على تجسيد الواقع الفلسطيني محور اهتمام، في انتظار ما ستكشف عنه الأيام في ظل الظروف المعقدة.



