صراع آل مردوخ: وراثة “القسوة” التي هزت الإعلام الغربي

في أحدث التحليلات للقوى الإعلامية المؤثرة، يسلط كتاب “محرقة آل مردوخ” الضوء على الأبعاد المعقدة لعلاقات روبرت مردوخ الأسرية، وكيف ارتبطت بصعود وانتكاسات ديمقراطيات غربية، مساحاً بذلك الطريق أمام ظهور قنوات مثل “فوكس نيوز” التي لعبت دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وصعود شخصيات سياسية مثل دونالد ترامب.

يتحرى الكتاب، الذي كتبه غابرييل شيرمان، عن كيفية تحول “القسوة” التي ميزت مسيرة روبرت مردوخ المهنية، لتصبح قيمة وراثية تنتقل بين أبنائه، والتي بدورها شكلت تاريخ وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية.

وراثة القسوة

يبدأ شيرمان رحلته من جذور روبرت مردوخ، متتبعاً صعوده المؤثر منذ بداياته. ويربط الكتاب بين نمو إمبراطورية مردوخ الإعلامية، التي تقدر بمليارات الدولارات، وبين تفكك علاقاته العائلية، مؤكداً أن هذه العلاقة ليست عرضية.

فمنذ استيلائه على صحيفتي “ذا تايمز” و”صنداي تايمز”، مرورا بقراراته الصارمة تجاه رؤساء تحرير تابعين له، وصولاً إلى طلاقه لزوجته الرابعة عبر رسالة بريد إلكتروني، تتجلى شخصية مردوخ كقائد له حضوره المخيف، رغم مظهره الهادئ.

يشير الكتاب إلى أن “مردوخ يشبه الملك ميداس؛ لقد بنى ثروة تقدر بـ 17 مليار دولار، لكنه دمر في طريقه كل ما كان يحبه”، في إشارة إلى الأثر المتراكم لقراراته على حياته الأسرية.

المال مقابل الولاء

على عكس الكثير من الأثرياء الذين ينأون بأبنائهم عن صراعات العمل، أشرك روبرت مردوخ أبناءه، لاكلان وجيمس وإليزابيث وبرودنس، في قلب اللعبة الإعلامية. وكشف شيرمان كيف استخدم مردوخ الشركات التي يمتلكها أبناؤه كأداة للتحكم بهم.

بلغ الصراع ذروته في عام 2023، عندما سعى مردوخ لتعديل “الصندوق الائتماني” للعائلة، ضمن ما أطلق عليه “مشروع التناغم العائلي”، لتأكيد سيطرة ابنه الأكبر لاكلان، الذي يشاركه توجهاته السياسية، على مستقبل الإمبراطورية.

جيمس مردوخ: الابن الضائع

يبرز جيمس مردوخ كأكثر أبناء روبرت تعقيداً. فقد حاول جاهداً أن يلعب دور “المثقف المتمرد” تارة، ومنخرطاً في اللعبة الإعلامية تارة أخرى، ليجد نفسه في النهاية في موقع المتأخر. ويرى شيرمان أن انتقادات جيمس لـ”المعلومات المضللة” في إمبراطورية والده جاءت متأخرة، بعد أن “خسر اللعبة” أمام شقيقه لاكلان.

حتى والدته، آنا تورف، التي طالما دافعت عن وحدة العائلة، انتهى بها المطاف بالانحياز إلى “آلة فوكس نيوز”، واصفة في رسالة بريد إلكتروني جيمس وزوجته بـ”الأصدقاء اليقظين” الذين لا يدركون أهمية دور القناة في كشف “الحماقات المحيطة بنا”.

ويؤكد شيرمان أن قصة مردوخ الحقيقية، بأبعادها الدرامية العائلية والإعلامية، تفوق في تعقيدها وتشعباتها مسلسل “خلافة” (Succession) الشهير. فبينما يمثل المسلسل شخصية الأب كقائد كاريزمي متقلب، يكمن رعب مردوخ الأب في صمته وهدوئه القاتل.

في الختام، وعلى الرغم من جهود أبنائه لخوض معركة قانونية، انتهت بتسوية مالية كبيرة، استقر لاكلان مردوخ كخليفة وحيد لروبرت مردوخ. وفي حين ربح الأب معركته في اختيار الوريث، إلا أنه ترك إرثاً يتمثل في “تمكين صعود الاستبداد الأمريكي”، تاركاً وراءه عائلة كانت مستعدة للتخلي عن ملياراتها مقابل “عائلة سوية”.

من المتوقع أن تستمر تداعيات هذه التحولات في تشكيل المشهد الإعلامي والسياسي العالمي، مع تصاعد التحديات المتعلقة بالمعلومات المضللة وتأثير وسائل الإعلام على الديمقراطيات.

شاركها.
Exit mobile version