تتسارع الخطوات الإسرائيلية لإعادة تعريف مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية المحتلة تحت مسمى “أملاك الدولة”، في مسار يهدف إلى إعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية والزراعية، مما يؤثر على سلة الغذاء الفلسطينية ومصادر الرزق الريفي.
هذه القرارات، التي قوبلت بردود دولية متصاعدة، تستهدف أراضي زراعية تشكل عماد الأمن الغذائي لآلاف الأسر، وتأتي في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي من اعتداءات متكررة.
الاعتداءات على الأراضي الزراعية ومصادر المياه، إلى جانب هجمات المستوطنين واقتلاع الأشجار، تصاعدت خلال الأشهر الماضية، وفق وزارة الزراعة الفلسطينية. وفي الأسبوع الأول من فبراير 2026 وحده، اقتُلعت 777 شجرة زيتون، مما تسبب في خسائر تجاوزت 600 ألف دولار، تركزت في الخليل جنوبا ونابلس شمالا.
يُقرأ هذا التصعيد فلسطينيًا على أنه “استيطان اقتصادي” أسرع من التوسع الاستيطاني التقليدي. فمع تقلص الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق المصنفة “ج” التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، تتضاءل مصادر الغذاء.
تركزت موجة المصادرات الأخيرة في الأغوار الشمالية والوسطى، ومحيط سلفيت ورام الله وبيت لحم، إضافة إلى مساحات جنوب الخليل. وتشير تقديرات رسمية إلى فقدان آلاف الدونمات الخصبة، ما يهدد استدامة الإنتاج الزراعي.
تراجع دور الزراعة في الناتج المحلي الفلسطيني من 7% إلى حوالي 5% يعكس الأثر الاقتصادي المباشر. وقد وثقت وزارة الزراعة خسائر مباشرة بلغت 103 ملايين دولار العام الماضي، مع تداعيات أوسع على الدخل الريفي وسلاسل التوريد.
غطاء قانوني
تصنيف أكثر من 26 ألف دونم من أراضي الضفة كـ”أراضي دولة” يهدف إلى انتزاع السيطرة الفلسطينية عليها، بالتوازي مع عزم الحكومة الإسرائيلية شرعنة 140 مزرعة استيطانية. هذا التصنيف يشكل غطاء قانونياً غير معترف به دولياً أو فلسطينياً، بحسب خبراء.
ويرى الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور ثابت أبو الروس أن هذه القرارات ليست جديدة، بل امتداد لسياسات بدأت منذ عام 1993 مع تصنيف المناطق “ج”. يعتبر أبو الروس أن هذه الإجراءات تندرج ضمن عدوان اقتصادي ممنهج يستهدف بنية الاقتصاد الفلسطيني.
ويربط أبو الروس بين التصعيد في الضفة والعدوان على قطاع غزة، معتبراً أن السياسات تهدف إلى تدمير الثروة الزراعية والحيوانية ومصادر الري، مما يضعف القدرة الإنتاجية الفلسطينية.
يحذر الخبير الاقتصادي من انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي، خاصة في محافظات تُعد سلة فلسطين الغذائية مثل طوباس والخليل وأريحا. التراجع في الإنتاج قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المزروعات وزيادة معدلات البطالة.
كما يتوقع زيادة تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، مع انكماش مصادر السلع الأساسية محلياً. سيضطر التجار للتوجه للأسواق الإسرائيلية، مما يعمق الاختلال الاقتصادي.
تتقاطع هذه التطورات مع مخططات أوسع لإعادة رسم الجغرافيا في الضفة، أبرزها مشروع “إي 1” الذي يهدف إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، وتكريس وقائع ميدانية تصعب إقامة كيان فلسطيني متصل جغرافياً.
من المرجح أن تستمر إسرائيل في تطبيق سياساتها الأحادية دون اكتراث للمواقف الدولية. ويبقى السؤال حول مدى قدرة المجتمع الدولي على ترجمة ردوده إلى ضغوط فعالة، وتأثير هذه الإجراءات على الصمود الاقتصادي الفلسطيني على المدى الطويل.



