يشهد معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين، الذي تستمر فعالياته حتى الثالث من مايو/أيار 2026، حضوراً دولياً لافتاً بمشاركة 38 دولة، بزيادة تسع دول عن العام الماضي. تفتتح الدورة، التي تعد احتفالية بالمسيرة الطويلة للمعرض، آفاقاً ثقافية جديدة، أبرزها عودة الجناح الإيراني بعد سنوات من الغياب، وحضور إندونيسيا كضيف شرف، مما يوسع أبعاد المعرض ومدى تفاعله الثقافي. تؤكد هذه المشاركة المتنوعة على مكانة تونس كمركز ثقافي مفتوح، يعزز التبادل الحضاري بين مختلف دول العالم، وخاصة الدول العربية والآسيوية.
تكتمل القائمة العربية المشاركة في الدورة الأربعين لتشمل 12 دولة، تمثل فسيفساء حقيقية للثقافة العربية، وهي السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، والأردن، ومصر، وليبيا، والعراق، وسوريا، ولبنان، والمغرب، والجزائر، وموريتانيا. هذا التنوع العربي، إلى جانب مشاركة دولية واسعة، يؤكد على الدور المحوري الذي يلعبه معرض تونس الدولي للكتاب كملتقى ثقافي وحضاري، ويفتح المجال لتعزيز الحوار الثقافي وتبادل المعرفة بين المشاركين.
الجناح الإيراني
يستضيف معرض تونس الدولي للكتاب هذا العام جناحاً إيرانياً يعرض مجموعة واسعة من الإصدارات الأدبية، تتوزع بين الكلاسيكيات الفارسية والأعمال المعاصرة. يخصص الجناح مساحة خاصة لـ “التضامن الإنساني”، حيث يمكن للزوار كتابة رسائل تعزية ودعم لذوي ضحايا مدرسة “الشجرة الطيبة” في مدينة ميناب، التي تعرضت لقصف حسب الروايات الإيرانية. على الرغم من التحديات اللوجستية التي واجهت وصول الكتب، مثل إغلاق المجال الجوي، تم تجاوز هذه الصعوبات بالتعاون مع دور نشر في لبنان ودول مجاورة، لتصل الكتب متأخرة لكنها وصلت.
تعتبر هذه المشاركة الإيرانية علامة فارقة في تاريخ المعرض، حيث تفتح نافذة جديدة على الأدب والثقافة الإيرانية للقارئ التونسي. ورغم تأخر وصول الشحنات، استطاع المنظمون تقديم عرض متكامل يعكس عمق التبادل الثقافي الذي يسعى المعرض لتحقيقه. يأتي هذا الجناح ليضيف بعداً جديداً إلى التنوع الذي يميز الدورة الحالية، ويعزز من التبادل الثقافي مع دول آسيا.
من جاكرتا إلى قرطاج: إندونيسيا ضيف الشرف
تحل إندونيسيا كضيف شرف في الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب، مقدمةً نافذة واسعة على ثقافتها الغنية والمتنوعة. يضم الجناح الإندونيسي مؤلفات مختلفة، بالإضافة إلى عروض موسيقية وتراثية، وندوات تتناول سبل تعزيز التواصل الثقافي بين آسيا وشمال أفريقيا. تهدف هذه المشاركة إلى بناء جسور تفاهم أعمق بين الشعبين، وتستكشف موضوع “من جاكرتا إلى قرطاج” لربط الحضارتين. يرى سفير إندونيسيا في تونس، زهيري مصراوي، أن الكتاب هو أساس بناء الحضارات، وأن المعرض يمثل فرصة مثالية لتعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
يُسلط برنامج ضيف الشرف الضوء على أهمية الأدب والفنون في توطيد العلاقات الدولية، وخاصة بين الدول الإسلامية. كما يشهد الجناح الإندونيسي إقبالاً ملحوظاً من قبل الشباب والأطفال، مما يعكس اهتمام الأجيال الجديدة بالتعرف على ثقافات العالم. تسعى إندونيسيا من خلال مشاركتها إلى تقديم صورة شاملة عن ثقافتها، وإبراز الأهمية الاستراتيجية للمعرض كمنصة للحوار والتبادل. تظل الرؤية الإندونيسية هي تعزيز التبادل الثقافي والاقتصادي والسياسي، مع التركيز على دور الكتاب كمحفز للتقدم.
ابن رشد، والترجمة، وتحديات المستقبل
يتضمن البرنامج الثقافي لمعرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين مزيجاً متوازناً بين الاحتفاء بالتراث واستشراف المستقبل. تحتفي الدورة بذكرى ميلاد الفيلسوف والعالم ابن رشد، أحد أبرز رموز الفكر العربي. بالتوازي، تخصص قاعات المعرض لندوات وجلسات نقاش معمقة حول قضايا تلامس الواقع المعاصر، مثل أهمية الترجمة في نقل المعرفة، وحقوق الملكية الفكرية، والتحول الرقمي، وتأثير الذكاء الاصطناعي على صناعة النشر والمحتوى.
يشارك في هذه الفعاليات حوالي 150 ضيفاً من مثقفين وأكاديميين وكتاب، يناقشون هذه القضايا الحيوية. وعلى هامش هذه النقاشات، يتم الإعلان عن الفائزين بالجوائز السنوية للمعرض، والتي تشمل مجالات النشر، والترجمة، والإبداع الأدبي والفكري. يتجه المعرض نحو تثبيت مكانته كملتقى سنوي هام، لا يقتصر على عرض الكتب، بل يتعداه ليصبح منصة للحوار العميق حول مستقبل الثقافة والمعرفة في عالم متغير.
من المتوقع أن تستمر هذه الفعاليات الثقافية الهامة حتى يوم الثالث من مايو/أيار، مع تركيز خاص على الندوات التي تتناول مستقبل الأدب الرقمي والترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي.

