Published On 2/5/2026
|
آخر تحديث: 3/5/2026 15:33 (توقيت مكة)
في قلب العاصمة التونسية، لا يبدو معرض تونس الدولي للكتاب مجرد موعد سنوي لعشاق القراءة، بل مساحة حية تتقاطع فيها الحكايات، وتُختبر فيها علاقة التونسيين بالكتاب في زمن تتسارع فيه الشاشات وتتنافس فيه الوسائط. تزامنت افتتاحيات الدورة الأربعين من المعرض، التي تستمر حتى 3 مايو/أيار 2026، مع عودة الأمل في استعادة الزخم الثقافي، مع التركيز على حرية التعبير والتنوع الأدبي.
منذ اللحظات الأولى لدخول أروقة المعرض، يتبدى مشهد متنوع: عائلات تتجول بين العناوين، طلبة يبحثون عن مراجع أو روايات، وكتّاب يوقعون أعمالهم. هنا، لا يُقاس الحضور بعدد الزوار فقط، بل بنوعية التفاعل الذي يعيد للكتاب حضوره كفعل ثقافي يومي. تنعقد هذه الدورة الهامة بقصر المعارض بالكرم، وتعكس ثراء المشهد الثقافي التونسي والعالمي.
أكد مدير المعرض محمد صالح القادري أن هذه النسخة تشهد مشاركة 394 دارا للنشر، منها 210 مشاركين أجانب و184 مشاركا من تونس، مع عرض نحو 148 ألف عنوان. ويستقبل المعرض مشاركات من 37 دولة، فيما تحلّ إندونيسيا ضيف شرف في هذه الدورة، مما يفتح آفاقا للتعرف على ثقافات جديدة.
بين الحرية والهواجس
يأتي المعرض هذا العام في سياق ثقافي لا يخلو من أسئلة، خاصة بعد الجدل الذي رافق الدورة الماضية بشأن حرية التعبير والرقابة. وبينما تبدو أجواء هذه الدورة أكثر هدوءا، يظل النقاش حول هامش الحرية حاضرا، وإن بشكل أقل صخبا.
وفي هذا السياق، يقول منصف الشابي مدير دار النقوش العربية للنشر، إن الأدب التونسي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة، مستفيدا من مناخ الحرية. ويضيف أن “عددا من المحرمات سقط، وبرزت تيارات أدبية جديدة بروح مختلفة”، معتبرا أن النص التونسي المعاصر “صار يحمل مضامين أكثر جرأة وتنوعا”.
“الأدب التونسي شهد تحولات لافتة؛ سقطت المحرمات وبرزت تيارات جديدة، وصار النص المعاصر يحمل مضامين أكثر جرأة وتنوعا.”
أصوات شابة ونصوص متمردة
داخل أروقة المعرض، تحضر بقوة أسماء شابة خاضت تجربة الكتابة والنشر، مقدمة أعمالا يصفها بعض النقاد بـ”المتمردة” أو “العصرية”. لكن هذا الحضور لا يخلو من صعوبات، وفق ما يؤكده الكاتب والشاعر رضوان العجرودي، إذ يرى أن الكاتب الشاب في تونس بات يضطلع بأدوار إضافية، موضحا أن “الكاتب صار يبحث بنفسه عن ناشر، ويتابع مسار توزيع كتابه”، ما يثقل كاهله ويؤثر على تجربته الإبداعية.
من جهتها، تؤكد الطالبة الجامعية علياء الطويلي أن زيارتها السنوية للمعرض ضرورة لا بديل عنها. إذ تعدّها “فرصة للعثور على كتب قد لا تتوفر بسهولة خارج هذا الفضاء”، مما يسلط الضوء على أهمية المعرض كمورد ثقافي.
صعوبات وصمود
بدوره، يلفت الكاتب التونسي الشاب مهدي الغانمي إلى أن قطاع النشر يواجه تحديات متزايدة. خاصة فيما يتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق، مؤكدا أن “غلاء الورق وصعوبات التوزيع تفرض ضغوطا كبيرة”. ورغم ذلك، يظل القطاع “يواصل الصمود بفضل إصرار الفاعلين فيه”.
“يواجه الكاتب الشاب أعباء إضافية تؤثر على تجربته الإبداعية، وقطاع النشر يصارع غلاء الورق وصعوبات التوزيع، لكنه يواصل الصمود بإصرار الفاعلين.”
أكثر من معرض
لا يقتصر المعرض على عرض الكتب وبيعها، بل يحتضن برنامجا ثقافيا متنوعا، يشمل ندوات فكرية، ولقاءات مع كتّاب، وقراءات شعرية، وفعاليات موجهة للأطفال. هذا البرنامج يجعله فضاءً للتفاعل الثقافي العميق.
بهذا المعنى، يتحول معرض تونس الدولي للكتاب إلى أكثر من تظاهرة؛ إنه مساحة لإعادة طرح أسئلة القراءة ودورها في المجتمع، في لحظة تتنازع فيها الاهتمامات. ورغم كل التحديات، يظل الكتاب قادرا على جمع قرائه حول معنى مشترك: البحث عن المعرفة، والتمسك بفعل القراءة كخيار ثقافي.
يستمر متابعو معرض تونس الدولي للكتاب في ترقب فعالياته حتى 3 مايو/أيار، مع التركيز على مساهمة ضيف الشرف إندونيسيا في إثراء الحوار الثقافي، والآفاق المستقبلية للأدب التونسي في ظل التحديات الراهنة.

