جدل واسع حول مسلسل “حمدية” العراقي.. بين دعم معاناة المرأة ومخاوف الإساءة الاجتماعية
يتجدد الجدل في العراق هذه الأيام حول مسلسل “حمدية”، الذي يُعرض ضمن موسم رمضان الدرامي على شاشة إم بي سي العراق (MBC). ينقسم الرأي العام بين من يعتبره عملاً درامياً يسلط الضوء على معاناة المرأة العراقية، وآخرين يبدون خشيتهم من مضامين قد تُفسر على أنها مسيئة اجتماعيًا أو مذهبيًا. يأتي هذا الجدل في ظل خصوصية شهر رمضان، الذي يشهد ذروة العرض والمتابعة الدرامية في العراق والمنطقة.
وقد دعا الكاتب والروائي العراقي قدوري الدوري، صاحب رواية “حمدية” التي اقتبس منها المسلسل، إلى التريث في تقييم العمل. وأكد الدوري أن شخصية “حمدية” لا تمثل انتماءً طائفيًا محددًا، ولا يمكن قراءتها من زاوية مذهبية ضيقة، بل تقدم سيرة إنسانية لامرأة واجهت ظروفًا قاسية، تنقلت فيها بين اليتم والظلم وتقلب المصائر.
زوبعة قبل العرض
تصاعدت موجة الجدل عقب تداول الإعلان الترويجي للمسلسل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أعرب عدد من المتابعين عن مخاوفهم من احتمال تضمّن العمل مضامين قد تُفسَّر على أنها تمس بعض القيم الاجتماعية أو الدينية، لا سيما مع عرضه في شهر رمضان. في المقابل، دعا آخرون إلى انتظار عرض الحلقات كاملة قبل إطلاق الأحكام، محذرين من استباق النتائج أو تبني مواقف حاسمة استناداً إلى مواد دعائية مختصرة لا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة للمسلسل.
وأوضح الدوري، في منشور عبر فيسبوك، أن العمل قُدِّم في بعض القراءات بصورة مجتزأة، وأُسقطت عليه تفسيرات طائفية لا تنسجم مع مضمونه الأصلي، مشيرًا إلى أن أطرافًا نسبت إلى القصة أبعادًا لا تعكس مسارها الدرامي. ودعا الدوري إلى التحلي بالإنصاف عند مقاربة العمل، موجهًا تحية لمن انتقده بموضوعية، وكذلك لمن عبّر عن اعتراضه.
تحرك رسمي
لم يبقَ الجدل في الإطار الرقمي، إذ أعلنت هيئة الإعلام والاتصالات استضافة مدير مكتب قناة إم بي سي (MBC) العراق في اجتماع عاجل لمناقشة “المحددات الفنية والمهنية” للعمل. جاء ذلك استنادًا إلى نتائج الرصد الفني للإعلان الترويجي، فضلاً عن مخاطبات نيابية ومناشدات شعبية اعترضت على بعض المشاهد التي اعتُبرت مخالفة لـ”الآداب العامة والذوق المجتمعي”.
وأكدت الهيئة ضرورة الامتناع عن أي محتوى قد يُفهم منه استهداف أو إساءة لأي فئة اجتماعية أو دينية أو قومية، ووجّهت القناة بإجراء مراجعة شاملة لجميع الحلقات وحذف المشاهد المخالفة، إن وجدت. وأوضح الخبير القانوني وائل منذر أن هيئة الإعلام والاتصالات تستند في صلاحياتها إلى أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (65) لسنة 2004، الذي منحها استقلالية مالية وإدارية، مع صلاحية تنظيم النشاط الإعلامي والرقابة على البث.
وبيّن منذر أن لائحة قواعد البث الإعلامي، ولا سيما بابها الثاني المتعلق بالمواد المرئية، تُلزم الجهات الإعلامية باحترام الآداب العامة والذوق العام، وتجنّب أي محتوى قد يمس المشاعر الدينية أو العرقية أو الطائفية أو القومية، بما يراعي التنوع المجتمعي في العراق. وأضاف أن للهيئة، في حال ثبوت مخالفة، الحق في طلب تعديل أو حذف مشاهد محددة قبل العرض، غير أنه شدد في المقابل على ضرورة تحقيق توازن قانوني واضح بين صلاحيات الرقابة وضمانات حرية التعبير، معتبرًا أن القرارات التي تمس جوهر حرية التعبير، كإيقاف البث أو سحب الترخيص، يُفترض أن تستند إلى قرار قضائي لا إداري منفرد.
الحكم بعد المشاهدة
من جانبه، اعتبر رئيس نقابة الفنانين العراقيين، الدكتور جبار جودي، أن الجدل المثار حول مسلسل “حمدية” قبل عرضه غير مبرر. وأكد أنه لا يمكن تقييم عمل درامي قبل مشاهدته، ولا يصح الاستناد إلى منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو تسريبات غير موثقة. وأشار جودي إلى أن المهنية تقتضي انتظار عرض عدد من الحلقات حتى تتضح ملامح الرؤية الفنية، ومن ثم يمكن إبداء المواقف المؤيدة أو الناقدة. وشدد على أن إطلاق أحكام مسبقة لا يسهم في خدمة الفن أو الجمهور. كما أوضح أن نقابة الفنانين تمارس رقابة قبلية عبر إجازة النصوص الدرامية، في حين تتولى هيئة الإعلام والاتصالات الرقابة اللاحقة من خلال متابعة الأعمال المعروضة، داعيًا إلى نقاش موضوعي بعيدًا عن الانفعالات.
بين المنع والنفي
وفي تطور لاحق، أعلن النائب علي الكناني أن مجلس المفوضين في هيئة الإعلام والاتصالات قرر منع بث المسلسل، معتبرًا أنه يتضمن إساءة وتشويهاً لصورة المرأة العراقية وإثارة للفتنة. ومع ذلك، بُثت الحلقة الأولى في موعدها المحدد، في وقت لم يصدر فيه بيان رسمي من مجلس المفوضين يؤكد قرار المنع.
جدل يتكرر كل رمضان
يرى الكاتب والمراقب للشأن العراقي محمد وذاح أن ما جرى يعكس نمطًا يتكرر كل موسم رمضاني، حيث تتحول بعض الأعمال الدرامية إلى ساحة استقطاب سياسي أو طائفي قبل عرضها. ويقول وذاح إن مشاهدة الحلقة الأولى “لم تُظهر مؤشرات طائفية أو استهدافاً لأي مكون اجتماعي”، معتبرًا أن بعض الملاحظات التي أثيرت، مثل الزي أو الرموز البصرية، تندرج في إطار الهوية الفنية ولا تحمل أبعادًا سياسية بالضرورة.
ويضيف أن الجدل المسبق قد يكون أسهم – بقصد أو دون قصد – في تسويق العمل ومنحه زخمًا إعلاميًا واسعًا، في ظل فضول الجمهور العراقي تجاه القضايا الجدلية.
دراما بين الحرية والمسؤولية
يكشف الجدل اليوم حول مسلسل “حمدية” عن إشكالية أعمق تتجاوز عملاً بعينه، وتتصل بحدود العلاقة بين حرية الإبداع الفني والرقابة التنظيمية في مجتمع متنوع وحساس كالعراق. فبين دعوات التريث والحكم بعد المشاهدة، وتحركات رقابية تستند إلى قواعد البث، ومواقف سياسية متباينة حتى تتكشف الصورة كاملة مع توالي الحلقات، يظل “حمدية” عنوانًا لسجال أوسع حول معنى الدراما وحدودها في عراق ما بعد الاستقطاب.


