Published On 11/2/2026
|
آخر تحديث: 12:02 (توقيت مكة)
تشهد صناعة النشر العالمية أزمة حقيقية في قطاع الكتب غير الخيالية، حيث تشير تقارير لعام 2025 إلى تراجع مستمر في مبيعات هذا النوع الأدبي، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الأفكار المعمقة والتحليلات الشاملة في عصر يتسارع فيه استهلاك المحتوى.
بلغت نسبة انخفاض مبيعات الكتب غير الخيالية في بريطانيا 6% مقارنة بالعام السابق، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2017، مما يعني خسارة تقدر بنحو 17 مليون كتاب. هذا الانكماش المستمر ينبئ بتحول كبير في عادات القراءة والاستهلاك الثقافي على الصعيد العالمي، مع تزايد شعبية المحتوى المسموع والمراجع السريعة.
سطوة “البودكاست” والمحتوى الرقمي
يرجع متخصصون في صناعة النشر هذا التراجع إلى الانتشار الواسع لمنصات “البودكاست”، التي أصبحت بديلاً يفضله الكثيرون للحصول على المعلومات المعمقة. في بريطانيا وحدها، يستمع حوالي 15.5 مليون شخص إلى هذه المنصات بانتظام.
لم يعد الكتاب المصدر الوحيد للمعرفة المتعمقة، حيث يقدم البودكاست محتوى مسموعًا يسهل استهلاكه مقارنة بالقراءة المتأنية، مما أثر على اهتمام الجمهور بالكتب الموسوعية والبيوغرافية التقليدية. يعتبر البودكاست منافساً قوياً، إذ يقدم زبدة المعلومات بجهد ووقت أقل.
تراجع الرصانة لصالح الشهرة
تؤدي ضغوط السوق والمخاطر المالية إلى تحول استراتيجيات دور النشر الكبرى بعيداً عن المحتوى الجاد نحو استهداف “الجمهور الجاهز” على المنصات الرقمية. باتت دور النشر تفضل التعاقد مع مؤلفين يتمتعون بقاعدة جماهيرية واسعة على منصات مثل “تيك توك” أو “إنستغرام” لضمان مبيعات سريعة، حتى لو افتقر المحتوى للعمق الأكاديمي.
تنعكس هذه السياسة على الأكاديميين والخبراء، حيث واجهت المؤرخة راشيل هيويت رفضاً لثلاثة كتب مقترحة لعدم امتلاكها “منصة” جماهيرية كافية. يعكس هذا التحول نظرة الناشرين التي تعتبر “الخبير” هو من يمتلك شهرة رقمية، وليس بالضرورة من يمتلك المعرفة الأعمق، مما يحول الكتاب من قيمة فكرية إلى سلعة استهلاكية سريعة.
غياب “الأفكار الكبرى” في قوائم الأكثر مبيعاً
تاريخياً، كانت الكتب غير الخيالية مثل “تاريخ موجز للزمن” لستيفن هوكينغ أو “العاقل” ليوڤال نوح هراري، محركات للنقاش العام. إلا أن قوائم الأكثر مبيعاً الحالية تفتقر لهذه “الأفكار الكبرى” وغالباً ما تقتصر على كتب الطبخ أو تطوير الذات. إن إنتاج الكتب المرجعية الضخمة أصبح مكلفاً ويتطلب استثمارات كبيرة، وهو ما لا تقدمه دور النشر حالياً إلا للمشاهير.
تؤثر هذه التحديات الاقتصادية بشكل خاص على الأكاديميين الذين يثابرون على إنتاج أعمالهم البحثية بعيداً عن اعتبارات الربح السريع. إذا استمر هذا الاتجاه، فإن الكتب الواقعية العميقة قد تواجه انقراضاً اقتصادياً، تاركة فراغاً المعرفي في عصر يزداد فيه الاعتماد على المحتوى السطحي.

مستقبل الكتاب غير الخيالي بين التحديات والأمل
على الرغم من الصورة القاتمة، يرى بعض خبراء الصناعة أن الأزمة قد تكون دورية، وأن الكتاب غير الخيالي قد يشهد انتعاشاً مستقبلاً كرد فعل على التشتت الرقمي. ففي عالم يزداد تعقيداً، يوفر الكتاب مساحة نادرة لاستعادة القدرة على التركيز العميق، خاصة عند تناول موضوعات تاريخية أو علمية معقدة.
تثبت نجاحات بعض الكتب الاستقصائية الحديثة أن الجمهور لا يزال يبحث عن القصص الحقيقية المكتوبة ببراعة. يكمن التحدي في جودة التنفيذ وقدرة المؤلف على تقديم تحليل لا تستطيع الوسائل الرقمية السريعة محاكاته. تظل صناعة النشر أمام مسؤولية دعم “المعرفة الحقيقية” بدلاً من التركيز على المحتوى السطحي لضمان بقاء الكتاب الواقعي كأداة للوعي والتفكير.

