يواجه قطاع الزراعة في لبنان أزمة خانقة وغير مسبوقة، حيث أدت الحرب مع إسرائيل إلى توقف 80% من المزارعين عن العمل وتدمير آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية. ووفقًا للتقديرات، فإن هذه الأزمة تهدد بتجويع أكثر من مليون لبناني، وتشكل تحديًا جسيمًا للأمن الغذائي في البلاد.
حتى نهاية عام 2024، بلغت خسائر قطاع الزراعة اللبناني حوالي 800 مليون دولار، ومن المتوقع أن تصل هذه الخسائر إلى 1.5 مليار دولار بحلول نهاية العام الحالي. هذا الوضع يفاقم الأزمة الاقتصادية المركبة التي يعاني منها لبنان، مما ينذر بانكماش اقتصادي ملحوظ.
تأثيرات مدمرة على الأراضي والمزارعين
تسببت الغارات الإسرائيلية المكثفة، بما في ذلك استخدام قنابل الفسفور، في إتلاف ما لا يقل عن 54 ألف هكتار من الأراضي الزراعية اللبنانية، وهو ما يمثل أكثر من 22% من إجمالي الأراضي الزراعية في البلاد. أصبحت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة لا تتجاوز 200 ألف هكتار، مما يحد بشدة من القدرة الإنتاجية للقطاع.
وقد دفعت هذه الظروف القاسية 80% من المزارعين إما إلى التوقف عن العمل أو النزوح من مناطقهم. يمثل هذا النزوح الجماعي ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد المحلي وعلى قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها الغذائية. وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن أكثر من 1.2 مليون لبناني يعانون حاليًا من نقص غذائي.
يشكل جنوب لبنان، الذي يساهم بنحو ربع الإنتاج الزراعي الإجمالي، منطقة شديدة التأثر. قبل الحرب، كان القطاع الزراعي يساهم بنسبة 10% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، لكن هذه النسبة تراجعت حاليًا إلى 5% فقط، وفقًا لخبراء اقتصاديين. يضم الجنوب محاصيل رئيسية مثل الموز والحمضيات والتبغ والزيتون، التي تشكل عصب الاقتصاد الريفي.
وصف خبراء ما قامت به إسرائيل بأنه “تدمير ممنهج للاقتصاد الريفي”، وذلك عبر استهداف الأراضي وتخريبها وتهجير المزارعين. على سبيل المثال، خرج حوالي 6 آلاف عامل في قطاع زراعة التبغ من الخدمة، وهو قطاع كان يوفر إيرادات كبيرة للدولة.
تُقدر الخسائر المتراكمة في قطاع التبغ بحوالي 300 مليون دولار، بينما تتراوح خسائر الإنتاج بين 90 و120 مليون دولار منذ عام 2024. وتضاف إلى ذلك خسائر في التربة تتراوح بين 30 و50 مليون دولار، وخسائر مباشرة للمزارعين تتراوح بين 60 و90 مليون دولار.
تحديات إعادة الإعمار والأمن الغذائي
يُتوقع أن يلعب القطاع الزراعي دورًا محوريًا في جهود إعادة الإعمار المستقبلية، إلا أن الخسائر قد تكون أكبر من التقديرات الحالية. يُعد إتلاف التربة بسبب استخدام الفسفور الأبيض قضية مقلقة، حيث قد يستغرق تعافي التربة سنوات طويلة.
يواجه لبنان بالفعل أزمة فقر واسعة النطاق، حيث يعاني مليون شخص من الفقر و250 ألفًا يعيشون تحت خط الفقر. وتزداد احتمالات تفاقم أزمة الغذاء بشكل كبير ما لم يتم وضع حد لهذه الحرب، نظرًا لأن الاستيراد سيصبح الخيار الوحيد المتاح، مما سيفرض تكاليف باهظة على خزينة الدولة.
يبقى تحديد سبل التعافي السريع للقطاع الزراعي، وتوفير الدعم للمزارعين المتضررين، وتأمين المساعدات الغذائية للمتضررين، من أهم التحديات التي تواجه لبنان في المستقبل القريب. كما أن الآثار طويلة الأمد لاستخدام الأسلحة المحظورة على البيئة والاقتصاد تحتاج إلى تقييم مستمر.


