بيروت – في الرابع والعشرين من أبريل/نيسان 2026، ومع حلول الأربعاء الأخير من شهر نيسان، تتجدد في العاصمة اللبنانية بيروت عادة “أربعة أيوب” السنوية، حيث يتوافد أهالي المدينة إلى شاطئ الرملة البيضاء في مشهد يجمع بين التقاليد العريقة والرغبة الملحة في استعادة لحظات الفرح والأمل وسط تحديات الحياة. هذا الطقس الشعبي، المتجذر بعمق في ذاكرة بيروت، يمثل أكثر من مجرد احتفال موسمي، بل هو نافذة يطل منها سكان المدينة على الماضي، ويتواصلون مع أحلامهم، ويعززون روابطهم الاجتماعية.
تشهد الرملة البيضاء منذ ساعات الصباح الأولى توافد العائلات والأصدقاء، مفترشين الرمال بأمتعتهم التي غالباً ما تشمل الأطعمة والمشروبات، في تجسيد حي للعادات القديمة التي ما زالت تحتفظ بمكانتها في نفوس أهل بيروت. تتداخل أصوات الضحكات مع صرخات الأطفال، لتخلق واجهة بحرية نابضة بالحياة، تتحول في هذا اليوم إلى ملاذ مؤقت يمنح الناس فرصة لاستعادة بساطة الحياة وجمالها.
تصف الدليل السياحي سميرة عزو، التي تقف وسط هذا الحشد، المناسبة بأنها “لوحة تتجدد كل عام”. وتوضح أن “أربعة أيوب” ليس مجرد تقليد، بل هو استعادة لذاكرة مدينة بأكملها على شاطئها الأيقوني. وتضيف أن هذا اليوم يحمل معنى أعمق من مجرد الاحتفال، فهو يمثل نقطة التقاء بين الذاكرة الشعبية والحاجة الإنسانية المستمرة لمساحة من البهجة، مهما بدت بسيطة.
“المفتقة”.. طبخة تناقلتها الأجيال
ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع الشاطئ تدريجياً، ويتحول الهدوء النسبي إلى ترقب للطقس الأبرز في هذا اليوم: النزول إلى البحر عند الغروب. يغوص المشاركون في الماء سبع مرات، تيمناً بقصة النبي أيوب، التي ترتبط بالصبر والشفاء. ترى سميرة عزو في هذه اللحظة انتقالاً رمزياً من ثقل الأيام إلى خفتها، ومن تعب الشتاء إلى وعد ربيع جديد، حيث يصبح البحر مساحة للتطهير الجماعي من الذاكرة والمخاوف.
لكن “أربعة أيوب” لا يكتمل من دون “المفتقة”، الحلوى التقليدية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هوية هذا اليوم وطقوسه. على أطراف الشاطئ، تنشغل هوايد عيتاني في تحضير هذا المزيج التقليدي، مستعيدة قصة طبخة تناقلتها الأجيال. تشرح للجزيرة نت أن “المفتقة” تُحضر من مكونات بسيطة مثل الأرز والسكر والكركم والطحينة، وتتطلب وقتاً طويلاً من التحريك حتى تكتمل نكهتها وقوامها، في عملية يصفها البيروتيون بأنها “يفسّ فيها السرج”.
تؤكد هوايد أن أهمية هذا الطبق لا تكمن في مكوناته فحسب، بل في فعل المشاركة نفسه. فالمفتقة تُحضر لتُوزع على الجميع، لتكون امتداداً لفكرة الجماعة التي يكرسها هذا اليوم. وتربط هذه العادة بروايات شعبية قديمة عن نساء بيروتيات ابتكرن هذا الطبق كرمز للنقاء والشفاء، ليصبح جزءاً من ذاكرة المدينة الغذائية والوجدانية.
تتحدث السبعينية وداد، التي ترتدي زياً تراثياً لبنانياً، عن بيروت التي، رغم كل ما مرت به، لا تزال قادرة على جمع أبنائها حول لحظة فرح بسيطة. ترى أن هذا الطقس يشكل شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة للنسيان والانقطاع.
يستعيد أبو كامل ذكريات قديمة عن أيامه في الشاطئ مع عائلته، في يوم يصبح فيه البحر مساحة مفتوحة للجميع. يرى أن استمرار هذه العادة هو دليل على تمسّك الناس بالحياة، وأن المدينة تعيد إنتاج نفسها عبر هذه اللقاءات السنوية.
ذاكرة مثقلة
هذا العام، لا يغيب عن المشهد ظل الواقع الأكثر تعقيداً. يرى أبو يوسف أن “أربعة أيوب” يأتي هذه المرة في ظل ذاكرة مثقلة بالقلق والحروب والنزوح، حيث لا تنفصل لحظة الفرح عن سياقها الثقيل. يوضح أن الكثيرين حضروا إلى الشاطئ بحثاً عن متنفس مؤقت من ضغط الحياة اليومية، مشيراً إلى أن البحر يتحول في مثل هذه الظروف إلى مساحة للتنفس الجماعي.
يربط أبو يوسف بين رمزية هذا اليوم وقصة النبي أيوب، معتبراً أن ما يعيشه اللبنانيون يشبه اختباراً طويلاً للصبر. ويرى أن النزول إلى البحر لم يعد مجرد طقس ديني أو شعبي، بل محاولة رمزية للتخفف من الخوف والخسارة، ولو مؤقتاً.
ومع ذلك، لا يخفي أبو يوسف قلقه من المستقبل، ويشير إلى أن بهجة هذه اللحظات تبدو هشة، لكنها ضرورية، فغيابها يعني خسارة جزء من القدرة على الاستمرار.
في نهاية اليوم، ومع غروب الشمس على شاطئ الرملة البيضاء، تبدو بيروت وكأنها تعيد ترتيب نفسها على إيقاع الحياة البسيط. تغادر العائلات، ويبقى البحر شاهداً على آثار الأقدام، وينسحب الطقس الشعبي ببطء إلى الذاكرة. لكن ما يبقى حاضراً هو الإصرار الجماعي على استعادة لحظة فرح، مهما كانت قصيرة.
“أربعة أيوب” ليس مجرد تقليد يتكرر كل ربيع، بل هو مساحة رمزية تؤكد أن المدينة، رغم الأزمات والحروب المحيطة بها، لا تزال قادرة على أن تلتقي مع نفسها. في هذا اليوم، لا يعود البحر مجرد حدود جغرافية، بل يصبح وعداً مفتوحاً بأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.

