في قلب مدينة القدس القديمة، يتردد صدى التاريخ عبر زقاقاتها الضيقة، حيث تتجسد قصة طبق “المقلوبة” الأسطوري. هذه الأكلة، التي لم تكن مجرد تقليد في مطابخ الأمهات، بل أصبحت رمزًا للصمود والهوية الفلسطينية، يعود تاريخها إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي). تروي الذاكرة الجمعية، الموثقة في السير الشعبية، أن السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، أثناء احتفاله بفتح بيت المقدس عام 1187م، تفاجأ بهذه الأكلة الشهية التي قدمها له المقدسيون. سأل السلطان بذهول: “ما هذه الأكلة المقلوبة؟”، ومنذ ذلك اليوم، تغير اسمها من “الباذنجانية” إلى “المقلوبة”، لتصبح أكلة قلبت موازين الطهي والسياسة معًا، بحسب ما وثقته المرويات الشفوية في مركز التراث الشعبي الفلسطيني.
لم تكن “المقلوبة” مجرد حلوى، بل أكلة راقية ذكرها ابن سيار الوراق في القرن العاشر الميلادي في كتابه “الطبيخ” تحت مسمى “الباذنجانية”. وصف ابن سيار تلاحم اللحم والباذنجان المقلي في تناغم لذيذ، حيث كان الباذنجان يُقلى ويرص في قاع القدر ليُغطى باللحم والأرز المتبقي، مبشرًا بمفهوم “التراص الطبقي” المعاصر.
المقلوبة والقدرة الخليلية: شخصيتان وهوية واحدة
تتجلى جغرافيا المذاق الفلسطيني في التمييز الدقيق بين المقلوبة وشقيقتها “القدرة الخليلية”. بينما تطهى المقلوبة في قدور المنازل وتزدحم بالخضار المقلية، تظل القدرة الخليلية “ملكة الولائم” التي لا تعتمد على الباذنجان والزهرة.
في كتابهما “المطبخ الغزي: رحلة طهي فلسطينية”، ترسم الكاتبتان ليلى الحداد وماغي مصلح فاصلاً دقيقًا بينهما يتجاوز المكونات ليصل إلى روح المكان. المقلوبة هي ابنة المنازل والقدور المفتوحة، بينما القدرة طبخ غني وقوي المذاق، يستمد اسمه من الوعاء الذي يحتضنه.
على عكس المقلوبة التي ترتكز على هندسة “طبقات الخضار” المقلية، تتجه القدرة نحو تكثيف النكهة عبر اللحم والأرز المتبل بعناية. ويبرز الكتاب استخدام “رؤوس الثوم الكاملة التي تُطبخ داخل الأرز لتصبح طرية كالزبدة، مع الحمص المسلوق والسمن البلدي”.
ينتقل هذا التفرد من المكونات إلى أسلوب “الخبيز” بدلاً من “القلي”. تقتضي التقاليد إرسال فخارات القدرة لتنضج ببطء في أفران الحطب العامة، بينما تعد المقلوبة رمزًا للحياة اليومية الفلسطينية.
تعتبر الشيف جودي القلا المقلوبة لوحة جغرافية، موضحة في كتابها، “في القدس، نتمسك بالتقاليد حيث يطغى الباذنجان واللحم الذي ينضج حتى يذوب، مع مسحة الكركم التي تمنح الأرز لونه الذهبي. لكن عندما تتجه شمالًا نحو الجليل، تجد الزهرة (القرنبيط) تأخذ مكان الصدارة، وفي غزة يضيفون لمستهم الخاصة من الحرارة والتوابل القوية. المقلوبة ليست مجرد طعام، إنها استعراض للهوية؛ لحظة قلب القِدر هي اللحظة التي يتوقف فيها الجميع عن الكلام بانتظار الكشف عن الطبقات المرصوصة بعناية، إنها لحظة فخر وطني تطبخ في كل بيت”.
في السنوات الأخيرة، تجاوزت المقلوبة حدود المطبخ لتصبح أداة للمقاومة الثقافية. مشهد “المرابطات” وهنّ يقلبن قدور المقلوبة في ساحات المسجد الأقصى، بات رسالة رمزية تعبر عن “قلب موازين القوى” والتمسك بالأرض والهوية أمام محاولات الطمس الثقافي.
مكونات المقلوبة
اللحوم: لحم الضأن (الغنم) بالعظم، أو الدجاج.
الخضار: الباذنجان (الأساس)، الزهرة (القرنبيط)، والبطاطس.
الأرز: يُفضل مزيج بين الأرز متوسط الحبة (المصري) والأرز طويل الحبة.
البهارات: بهار المقلوبة الفلسطيني (قرفة، هيل، فلفل أسود، عصفر أو كركم للون الأصفر، جوزة الطيب).
طريقة التحضير:
سلق اللحم: يسلق اللحم مع المطيبات حتى ينضج تماما.
قلي الخضار: يقشر الباذنجان ويقطع ويقلى (أو يشوى حديثا لتقليل الزيت)، وكذلك البطاطس والزهرة.
ترتيب الطبقات: في قاع القدر، يوضع اللحم أولا، ثم ترص الخضار المقلية فوقه وبجانبه، ثم يغطى بالأرز المتبل.
التسوية: يضاف مرق اللحم الساخن ويترك على نار هادئة حتى يتشرب الأرز النكهات.
القلب: تترك لترتاح قليلا بعد النضج، ثم تقلب وتزين بالصنوبر واللوز المقلي.
الكنافة النابلسية
تشير مصادر التراث الغذائي إلى أن الكنافة ظهرت في سياق البلاط الأموي، مع اختلاف الروايات حول المكان والشخصية المرتبطة ببداياتها الأولى. تنسب إحدى أقدم الروايات إلى دمشق، بينما تذهب روايات أخرى إلى ربطها بالخليفة معاوية بن أبي سفيان. في تلك المرحلة، كانت الكنافة تعتمد على خيوط العجين المصبوبة فوق صفائح نحاسية، وتُحلّى بالسكر أو العسل.
يورد شهاب الدين النويري في كتابه “نهاية الأرب في فنون الأدب” إشارات إلى الكنافة في سياق “أدب الطعام”، واصفًا إياها بأنها واحدة من أرقى الحلويات التي زينت موائد الخلفاء في العصر الأموي.
وفقاً لروايات تاريخية، كان معاوية بن أبي سفيان يشكو من جوع شديد أثناء نهار رمضان، فابتكر له طبيبه طبقاً يجمع بين العجين المطهو بالسمن والقطر، ليكون وجبة سحور تبطئ عملية الهضم.
غير أن التحول الجوهري في تاريخ الكنافة ارتبط بانتقالها إلى مدينة نابلس، حيث أدخل الصناع الفلسطينيون الجبن الأبيض المحلي (الجبن النابلسي) بديلاً عن الحشوات التقليدية. هذا التحول نقل الكنافة من كونها طبقًا نخبوياً إلى رمز شعبي راسخ، التصق بهوية المدينة وعُرفت به لاحقًا باسم “الكنافة النابلسية”.
المكونات الأساسية
عجينة الكنافة: ناعمة أو خشنة حسب الرغبة.
الجبن النابلسي: جبن غنمي طازج، يُنقع وتُزال ملوحته.
السمن البلدي: لإبراز النكهة التقليدية.
القطر (الشيرة): قوام متوسط مع لمسة ليمون خفيفة.
خطوات التحضير النابلسية
فرك العجينة: تُفرك الكنافة بالسمن المذاب، مع إمكانية إضافة صبغة الكنافة للون التقليدي.
رص الصينية: تدهن الصينية بالسمن، وتُفرد العجينة وتُضغط جيدا.
إضافة الجبن: يُصفى الجبن ويُوزع فوق العجينة.
الطهي: تُطهى على نار هادئة من الأسفل فقط حتى يصبح لون العجينة ذهبيا.
القلب والتسقية: تقلب الكنافة ساخنة ويُسكب عليها القطر الدافئ.
التقديم: تزين بالفستق وتقدم ساخنة.
المفتول.. طعام الأرض
يعد المفتول من أقدم الأطباق الفلسطينية التقليدية، ويرتبط بالمطبخ القروي، حيث كانت النساء يصنعنه يدويًا من البرغل والطحين. هذه العملية الجماعية جعلت منه طبقًا مرتبطًا بالتعاون بين نساء القرية.
رغم تشابهه مع الكسكس، يتميز المفتول بكونه يدوي الصنع وحبيباته أكبر، ويعتمد على مكونات محلية مثل زيت الزيتون، الحمص، الدجاج أو اللحم، ويُطهى بمرق غني بالتوابل الفلسطينية.
تاريخيًا، كان المفتول يُحضّر في المناسبات الكبيرة وشهر رمضان لقيمته الغذائية العالية وقدرته على إشباع عدد كبير من الناس.
تصف ريما قسيس المفتول في كتاب “المائدة الفلسطينية” بأنه “عملية حب وصبر”. تربط الكاتبة بين المفتول وقرى الجليل، موضحة أن سره يكمن في “الدقّة” (خليط البصل والكمون وعين الجرادة) التي توضع داخل حبات المفتول أثناء تبخيره.
تصف الشيف جودي كالا المفتول في كتابها “فلسطين في طبق” بأنه “حدث اجتماعي”، حيث كانت النساء يجتمعن لإنتاج كميات كبيرة منه. رائحة اليقطين والحمص والبصل التي ترافق المرق هي “رائحة البيت الفلسطيني في الشتاء”.
توثق الموسوعة الفلسطينية المفتول كجزء من الأمن الغذائي القروي، وسيد المونة الشتوية. يُعد حديثًا في أواخر الصيف، ويُجفف ويُخزن ليكون الزاد الأساسي في أيام الشتاء. تشير الموسوعة إلى أن المفتول يُسمى “طعام البركة” لأنه يزداد حجمه عند الطبخ ويشبع أعدادًا كبيرة من الناس بمكونات بسيطة.
طريقة المفتول
- حلة “الفتل” (يدويا)
الأساس: رشي القليل من الماء على البرغل الناعم في وعاء واسع. - التكوير
أضيفي الطحين (أبيض وأسمر) تدريجيًا مع تحريك يدك بحركة دائرية مستمرة حتى تتغلف حبات البرغل وتتحول لكرات صغيرة. - المغربلة
استخدمي الغربال لتوحيد حجم الحبات والتخلص من الطحين الزائد. - مرحلة “التهبيل” (الطهي بالبخار)
القدر: يوضع المفتول في قدر مثقب (مفتولية) فوق قدر به مرق يغلي. - الدقّة
في منتصف المفتول، ضعي خلطة (بصل مفروم، كمون، عين جرادة، ملح) لتنضج مع البخار. - النضج
يُترك على البخار لمدة 45-60 دقيقة، ثم يُرفع ويُفرك بالسمن البلدي أو زيت الزيتون. - التقديم (اليخنة)
يُسقى بمرق الدجاج أو اللحم الغني باليقطين (القرع)، الحمص المسلوق، والبصل.
تظل هذه الأطباق شاهدة على تنوع المطبخ الفلسطيني وارتباطه بخيرات الأرض ومواسمها. فهي ليست مجرد وجبات، بل هي موروث اجتماعي يجمع العائلة على مائدة واحدة غنية بالحكايا والنكهات الأصيلة.


