بدأ شعار السلام كرمز للحركة البريطانية المناهضة للأسلحة النووية، لكنّه أصبح رمز الاحتجاج الأكثر استخدامًا على نطاق واسع في العالم. كما تمّ تكييفه ومهاجمته وتسويقه تجاريًا.
وعام 1958، وسط مخاوف متزايدة من انتشار الأسلحة النووية في الحرب الباردة، تجمّع آلاف الأشخاص في ميدان الطرف الأغر في لندن للشروع في مسيرة تمتدّ على مسافة 80.5 كيلومترات إلى مؤسسة أبحاث الأسلحة الذرية في ألدرماستون، وهي قرية صغيرة أجرت فيها إنكلترا أبحاث الأسلحة وإنتاجها واختبارها.
ونظّمت المظاهرة لجنة العمل المباشر ضد الحرب النووية (DAC) وحملة نزع السلاح النووي (CND) التي كان قد تمّ تشكيلها حديثًا. وظهرت لأول مرة صورة أصبحت واحدًا من أكثر رموز الاحتجاج شهرة في العالم: رمز السلام.
ما مضمون شعار السلام؟
صمّم الشعار الفنان الإنكليزي جيرالد هولتوم، وهو من دعاة السلام خلال الحرب العالمية الثانية. وكان التصميم صارخًا لكنّ قوي: دائرة ترمز إلى الأرض، وبداخلها خطوط تُشير إلى الأسفل، وتُشكّل شكل الحرف “N” والحرف “D” الذي يعني “نزع السلاح النووي”.
كما يحمل الشعار رموزًا أعمق لهولتوم. وفي رسالة إلى هيو بروك رئيس تحرير المجلة البريطانية “Peace News”، كشف هولتوم أنّه رأى الرمز بمثابة صورة ذاتية إلى حد ما، حيث تصوّر فردًا في حالة من اليأس، واقفًا ويداه ممدودتان إلى الخارج وإلى الأسفل على طريقة فلّاح غويا أمام فرقة الإعدام، قبل أن يضفي الطابع الرسمي على الشعار في خط ويضع دائرة حوله.
كما أشار هولتوم إلى أنّ لوحة الرسام الرومانسي الإسباني فرانسيسكو غويا عام 1814 “الثالث من مايو 1808” والتي صوّرت المقاومة المدنية للحرب، أثّرت على تصميمه.
انتشار عبر الأطلسي
ولم يمض وقت طويل حتى شقّ رمز “CND” طريقه عبر المحيط الأطلسي، حيث تخلّص من ارتباطه الصارم بالأسلحة النووية، واستُخدم كعلامة على السلام خلال مظاهرات الحقوق المدنية.
وعلى الرغم من أنّ المسار الدقيق لوصول الرمز إلى أميركا غير معروف، إلا أنّه من المرجّح أن يكون بايارد روستين هو من نقل الشعار إلى أميركا.
صمّم رمز السلام الفنان الإنكليزي جيرالد هولتوم- غيتي
وروستين هو أحد المُقرّبين من مارتن لوثر كينغ جونيور الذي كان في احتجاجات لندن عام 1958، بينما ادعى ناشط السلام فيليب ألتباخ أنّه أحضر أزرارًا تحمل شعار “CND” لزملائه بعد رحلة إلى إنكلترا، ليُعرّف الأميركيين على الرمز لأول مرة.
وأصبحت قوة الرمز واضحة مع تصاعد حرب فيتنام في منتصف الستينيات. وقد اعتنقها الناشطون المناهضون للحرب، حتى أنّها رُسمت على خوذات الجنود الأميركيين في فيتنام.
رمز عالمي للاحتجاج السلمي
وبحلول عام 1969، تطوّر الرمز إلى رمز أكثر عمومية للاحتجاج السلمي والعيش في وئام. وظهرت علامة السلام بشكل بارز في وودستوك، وأصبحت رمزًا للثقافة المضادة للحركة الهيبية.
كما وجد شعار السلام مكانه النمطي على حافلات فولكس فاغن. وظهر في تشيكوسلوفاكيا السابقة كرمز ضد الغزو السوفيتي.
وفي جنوب إفريقيا، تمّ اعتماد الشعار كرمز قوي لمقاومة الفصل العنصري، الأمر الذي دفع الحكومة إلى محاولة حظره عام 1973.
ظهر رمز السلام لأول مرة في تظاهرة ضد الحرب النووية- غيتي
واليوم، يقوم متحف وودستوك ومركز بيثيل وودز للفنون في نيويورك بحفر رمز السلام في أرض المهرجان سنويًا.
سوء تفسير وانتقاد
ومع أنّ رمز السلام قد تمّ تبنيه على نطاق واسع على مرّ السنين، إلا أنّه واجه سوء تفسير وانتقادات ايضًا.
فبينما فسّرته الجماعات المسيحية على أنّه صليب مكسور ومعكوس، تمّ إدانته باعتباره رمزًا شيوعيًا، كما تمّت مقارنته برمز الموت في الأبجدية الرونية.
وذات يوم، أعرب هولتوم مصمّم علامة السلام، عن أسفه بشأن التصميم النهائي لرمز نزع السلاح النووي الأصلي.
نسخات متعدّدة
وصمّم هولتوم نسخة مقلوبة من النسخة الأصلية من شعار السلام، حيث استبدل الحرف “N” بحرف “U” للدلالة على نزع السلاح “أحادي الجانب”، وندم على عدم استخدامه.
وكان ينظر هولتوم إلى الشعار على أنّه نزع للسلاح النووي، ولكن مع مرور الوقت، شعر أنّه كان ينبغي أن يكون نزع سلاح عالمي أو أحادي الجانب.
وأراد أن تظهر النسخة المقلوبة على شاهد قبره، لكن لم يحدث ذلك.
على مدار تاريخه الممتد لـ67 عامًا، تم استخدام الرمز باعتباره شعارًا للنشاط اللاعنفي، ولدعم الحركات البيئية وحقوق المرأة والمثليين، ومختلف قضايا العدالة الاجتماعية الأخرى.
كما ظهر على جميع أنواع البضائع، على غرار قمصان موسكينو، ومعلّقات تيفاني، والطوابع الأميركية، وحتى علب سجائر “lucky strike”.
وبعد هجمات باريس الإرهابية عام 2015، أعاد الفنان الفرنسي جان جوليان تصوّر التصميم باستخدام شكل برج إيفل، ما خلق رمزًا عالميًا للتضامن.
ونظرًا لعالمية رمز السلام، يظلّ إبداع هولتوم رمزًا طموحًا لعالم أكثر سلامًا وإنصافًا.

