الجزائر: جدل سياسي بشأن «التعديل الدستوري التقني»
في وقت تترقب فيه الرئاسة الجزائرية تسلم مواقف الأحزاب مكتوبة بخصوص مشروعَيْ «التعديل الدستوري التقني» و«تعديل قانون الانتخابات»، اللذين عُرضا عليها في 24 يناير (كانون الثاني) الحالي، طالبت قيادة أحد الأحزاب المعنية بتمرير تعديل الدستور عبر الاستفتاء الشعبي، بدل الاكتفاء بعرضه على تصويت غرفتَيْ البرلمان، كما احتجّت قيادة حزب معارض على «إقصائها» عن المشاركة في المشاورات الرئاسية.
أحكام جديدة
يتضمن «مشروع التعديل الدستوري» المقترح مجموعة من الأحكام الجديدة؛ أبرزها اشتراط إثبات المستوى التعليمي للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، إلى جانب تحديد الهيئة التي تؤدَّى أمامها اليمين الدستورية والجهة المخوّلة تلاوتها. كما يكرّس «المشروع» إمكانية لجوء رئيس الجمهورية إلى الدعوة لتنظيم انتخابات محلية مبكرة «عند الاقتضاء»، بينما تقتصر هذه الصلاحية حتى الساعة على انتخابات الرئاسة والبرلمان.
وبشأن السلطة القضائية، ينص التعديل على إسقاط رأي «المجلس الأعلى للقضاء» في تعيين رؤساء المجالس القضائية (محاكم الاستئناف) ومحافظي الدولة (ممثلو النيابة في القضاء الإداري)، مع الاستغناء عن 3 فئات من القضاة في تشكيلة «المجلس ذاته». كما يقترح تمديد عهدة رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا ويرأسها الرجل الثاني في الدولة، وفق الدستور) إلى 6 سنوات بدل 3، إلى جانب سدّ الفراغ الدستوري، وتوفير أساس قانوني لتجديد عهدة أعضاء «مجلس الأمة» المنتخبين، علماً بأن ثلث أعضاء هذه الهيئة يختارهم رئيس الجمهورية بمن فيهم رئيسها.
وعلى الصعيد البرلماني، يهدف «المشروع»، وفق الرئاسة، إلى «ضمان مرونة أكبر» في افتتاح الدورة البرلمانية خلال شهر سبتمبر (أيلول) واختتامها. كما يتضمن توسيع المهام الرقابية لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، مع إسناد الجوانب المادية واللوجيستية إلى وزارة الداخلية، بينما تتكفل «السلطة» هذه المهمة حتى الآن.
تعديل سياسي
على عكس أحزاب «الغالبية الرئاسية» المشاركة في المشاورات، التي رحبت بـ«الإصلاحات»، التي تضمنتها المقترحات الخاصة بالدستور، أفاد «حزب العمال»، في بيان، بأن مشروع الرئاسة «يمس بطبيعة النظام، وبطبيعة وعمل بعض مؤسسات الدولة… فإنها تكتسي طابعاً سياسياً بامتياز». ويعني ذلك، وفق الحزب، أن التعديل «ليس تقنياً» (فنياً) كما تراه الرئاسة لتبرير عدم إحالته إلى الاستفتاء الشعبي، وفق ما يرجحه مراقبون.
وأوضح البيان نفسه أن الدستور الحالي «تمت صياغته واعتماده في ذروة (جائحة كوفيد19)، دون نقاش شعبي أو حزبي حقيقي»، مشدداً على «ضرورة إعادة الكلمة للشعب (بخصوص إقرار التعديلات الجديدة)، وفتح نقاش واسع يحدّد من خلاله بنفسه طبيعة النظام، مع التأكيد على الحاجة الملحّة لإدراج هرمية القوانين لوضع حدّ لانتهاك الدستور عبر قوانين تمس بالحقوق السياسية والحريات والمسائل الاقتصادية والحقوق الاجتماعية».
وكان الرئيس عبد المجيد تبون عرض تعديلات دستورية عميقة على الاستفتاء في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020، في سياق الحراك الشعبي الذي رفضها؛ مما أثر بشكل كبير على نسبة التصويت، التي لم تتجاوز 24 في المائة.
وشدد بيان «حزب العمال» على «إجراء إصلاح عميق لقانون الانتخابات، وليس الاكتفاء بتعديلات تقنية»؛ إذ يتضمن هذا القانون الحالي، وفقه، «العديد من الأحكام المقيدة والمثبطة للأحزاب، ويكرس تمييزاً صارخاً تحت غطاء تشجيع الشباب على الانخراط في التشكيلات السياسية، بينما يدفعهم في الواقع إلى الابتعاد عن الممارسة السياسية المنظمة داخل الأحزاب، وهو ما يشكل خطراً على طبيعة السلطة التشريعية ويُضعف الدولة».
وبشأن التعديل الجوهري المتعلق بـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، الذي ينص على نقل الصلاحيات اللوجيستية والمادية الخاصة بتنظيم العمليات الانتخابية إلى وزارة الداخلية، أكد الحزب اليساري أن «مثل هذه الهيئة لا وجود لها في البلدان الديمقراطية، حيث تنظَّم الانتخابات بشفافية كاملة من قبل وزارة الداخلية»، مشيراً إلى أن «استحداث مثل هذه الهيئة هو سمة لبعض البلدان الأفريقية على وجه الخصوص، أو البلدان الخارجة من نظام الحزب الواحد عند تغيير طبيعة النظام».
وكان الحزب شارك في لقاء 24 يناير الحالي بأمينته العامة لويزة حنون، مرشحة انتخابات الرئاسة سابقاً.
من جهته، احتج حزب «جيل جديد» الليبرالي المعارض، في بيان، على «إقصائنا المتعمَد» من المشاورات الرئاسية التي شملت 12 حزباً. لافتاً إلى أن ذلك «يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام التعدّدية السياسية، ومبدأ المساواة في المعاملة بين الأحزاب»، متسائلاً عمّا إذا «كان يراد من وراء ذلك عقابنا على مواقفنا الواضحة داخل صفوف المعارضة الوطنية، المنخرطة في مسار تغيير سلمي وعميق في تسيير شؤون الدولة والأمة».
ووفق البيان ذاته، فإن «نهج الاستبعاد هذا يتعارض وجوهر الحوار الوطني، وهو ما يهدد بتعميق أزمة الثقة، وتوسيع الهوة بين المؤسسات الرسمية والفاعلين في الساحة السياسية»، معلناً تمسكه بـ«نهج وطني مستقل، وعزمه على العمل حصراً من أجل المصلحة العليا للبلاد، كما يؤكد التزامه بالتعبير بمسؤولية عمّا يراه جديراً بالدعم أو بالإدانة، في إطار معارضة بناءة، في خدمة استقرار الجزائر وتقدمها».



