بدأ لبنانيون، صباح اليوم الثلاثاء، العودة إلى قراهم الحدودية المدمرة برفقة الجيش اللبناني، بعدما سحبت إسرائيل بموجب اتفاق مع حزب الله قواتها من جنوب البلاد، مبقية سيطرتها على خمس نقاط استراتيجية.

في الطريق إلى كفركلا الحدودية التي تعرّضت لدمار هائل، سار العشرات من الأهالي منذ الصباح بين حقول الزيتون متوجهين نحو قريتهم التي غادروها منذ أشهر طويلة ليعاينوا تباعًا منازل مدمّرة بالكامل.

معجزة في “كفركلا”

وشبه بعض العائدين، قراهم المدمرة “بهيروشيما وناكازاكي”، فيما قال بعضهم في قرية كفركلا الحدودية و”كأن حربًا نووية شنّت على كفركلا”.

وعلى الرغم من الدمار الهائل، لكن “سكّان القرية جميعهم عائدون”، مضيفين بحسب وكالة فرانس برس: “سننصب خيمة ونفترش الأرض”.

ورغم الدمار الهائل وغياب مقوّمات الحياة من بنى تحتية وخدمات أساسية، يتلهّف النازحون للعودة لمعاينة ممتلكاتهم وانتشال جثث مقاتلين من أبنائهم، بعدما منعت القوات الإسرائيلية عودتهم طيلة الأشهر الماضية.

دمار واسع خلفه الاحتلال في بلدات لبنانية حدودية – غيتي

وانتظر آخرون عند أحد مداخل كفركلا برفقة الجيش اللبناني وسيارات الإسعاف التي استعدّت للدخول لانتشال جثث مقاتلين، فيما أكدت الوكالة الوطنية للإعلام العثور على مواطنين اثنين على قيد الحياة، بعد فقدان الاتصال بهما منذ أكثر من ثلاثة أشهر في بلدة كفركلا، حيث تم نقلهما إلى مستشفى مرجعيون الحكومي لتلقي الفحوص اللازمة.

انتشار الجيش اللبناني

من جهته، أكد الجيش اللبناني، صباح الثلاثاء في بيان، أن وحدات عسكرية انتشرت في 11  قرية بينها كفركلا و”مواقع حدودية أخرى في منطقة جنوب الليطاني.. ذلك بعد انسحاب العدو الإسرائيلي”. في المقابل أكدت إسرائيل الثلاثاء بقاءها في “خمس نقاط” في جنوب لبنان.

وتكرّر المشهد على الطريق المؤدي الى بلدتي الطيبة والعديسة، حيث تجمعت ارتال من السيارات بانتظار أن يسمح لهم الجيش اللبناني بالدخول إلى البلدتين، وفق ما شاهد مصور لفرانس برس. وذكر أن سيارات إسعاف كانت في عداد الرتل.

وفضلت عشرات العائلات التحرك سيرًا على الأقدام، قبل السماح بدخول السيارات. وحملت سيدات صور أفراد عائلاتهن من مقاتلي حزب الله الذين قضوا في المعارك مع القوات الإسرائيلية. وحمل البعض الأعلام اللبنانية ورايات الحزب الصفراء.

مماطلة إسرائيلية

وبموجب اتفاق وقف النار الذي أبرم في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني برعاية أميركية وفرنسية، كان يفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في غضون ستين يومًا، قبل أن يتمّ تمديده حتى 18 فبراير/ شباط.

ولم يُنشر النصّ الحرفي الرسمي للاتفاق، لكنّ التصريحات الصادرة عن السياسيين اللبنانيين والموفدين الأميركيين والفرنسيين تحدثت عن خطوطه العريضة، لناحية تعزيز انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان وإشرافه على انسحاب حزب الله من منطقة جنوب نهر الليطاني، وتفكيك بناه العسكرية. وينصّ الاتفاق كذلك على انسحاب إسرائيل من كامل المناطق التي احتلّتها في جنوب لبنان.

ومع انقضاء مهلة تنفيذ الانسحاب، أعلن الجيش الإسرائيلي عزمه البقاء مؤقتًا في خمس نقاط “استراتيجية” تمتدّ على طول الحدود الجنوبية للبنان.

وأكد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس الثلاثاء في بيان أنه “اعتبارًا من اليوم سيبقى (الجيش الإسرائيلي) في منطقة عازلة في لبنان مع خمس نقاط إشراف وسيستمر في التحرك بقوة ومن دون أي مساومة ضد أي انتهاك (للهدنة) من جانب حزب الله”.

واعتبر لبنان الثلاثاء استمرار الوجود الإسرائيلي في أي شبر من الأراضي اللبنانية “احتلالًا”، كما قرر التوجه لمجلس الأمن لإلزام إسرائيل بالانسحاب “الفوري” من الجنوب، وفق بيان تلته متحدثة باسم الرئاسة اللبنانية بعد اجتماع لرؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة.

موقف الأمم المتحدة

ورأت الأمم المتحدة أن أي تأخير في انسحاب الجيش الإسرائيلي بعيد انتهاء مهلة الانسحاب يعد انتهاكًا للقرار الدولي 1701.

وقالت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس-بلاسخارت وقائد قوة اليونيفيل الجنرال أرولدو لاثارو في بيان مشترك أن “أي تأخير آخر في هذه العملية يناقض ما كنا نأمل حدوثه، ولا سيما أنه يشكل انتهاكًا مستمرًا لقرار مجلس الأمن الدولي 1701″، الذي انهى صيف 2006 حربًا مدمرة بين حزب الله وإسرائيل.

وكانت المواجهة بين حزب الله وإسرائيل بدأت في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بقصف شنّه الحزب على مواقع إسرائيلية دعمًا وإسنادًا لغزة قبل أن تشتدّ مع مرور الوقت وتصبح مواجهة مفتوحة خلّفت دمارًا واسعًا في مناطق عدّة في جنوب لبنان وشرقه وفي ضاحية بيروت الجنوبية.

وقدّرت السلطات كلفة إعادة الإعمار بأكثر من عشرة مليارات دولار، كما دفعت الحرب أكثر من مليون شخص على الفرار من منازلهم لا يزال أكثر من مئة ألف منهم في عداد النازحين، وفق الأمم المتحدة.

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، شنّت إسرائيل ضربات جوية ونفذت عمليات نسف تطال منازل في قرى حدودية، أوقعت أكثر من ستين شهيدًا نحو 24 شخصًا منهم في 26 يناير/ كانون الثاني، الموعد الأول المحدد لانسحاب إسرائيل بموجب الاتفاق، أثناء محاولتهم العودة إلى بلداتهم الحدودية.

ومنذ بدء تبادل إطلاق النار عبر الحدود بين حزب الله وإسرائيل في أكتوبر 2023، أحصت السلطات استشهاد أكثر من أربعة آلاف شخص، فيما أعرب خبراء في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي في بيان عن استيائهم من استمرار “قتل المدنيين والتدمير المنهجي للمنازل والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية الأخرى في جنوب لبنان خلال فترة اتفاق وقف إطلاق النار”.

شاركها.
Exit mobile version