تباطؤ سوق الإسكان في بريطانيا مع تراجع الطلب وسط مخاوف جيوسياسية
شهد سوق الإسكان في المملكة المتحدة تباطؤاً ملحوظاً خلال شهر أبريل (نيسان)، حيث انخفضت أسعار المنازل للشهر الثاني على التوالي. ويعزى هذا التراجع بشكل أساسي إلى تضاؤل الطلب من المشترين، مدفوعاً بمخاوف متزايدة بشأن التداعيات المحتملة للأحداث الجيوسياسية العالمية، بما في ذلك التوترات في الشرق الأوسط. كما سجل نمو الأسعار السنوي أضعف وتيرة له منذ ديسمبر (كانون الأول).
أظهرت بيانات صادرة عن شركة “هاليفاكس” المتخصصة في الرهن العقاري، أن مؤشر أسعار المنازل الخاص بها قد انخفض بنسبة 0.1 في المائة في أبريل، بعد انخفاض بنسبة 0.5 في المائة في مارس. وعلى أساس سنوي، لم تتجاوز الزيادة سوى 0.4 في المائة، مقارنة بـ 0.8 في المائة في الشهر السابق. وتتوافق هذه الأرقام مع توقعات استطلاع أجرته “رويترز” لآراء الاقتصاديين، والذي أشار إلى انخفاض شهري بنسبة 0.1 في المائة وارتفاع سنوي بنسبة 0.6 في المائة.
تأثير العوامل الاقتصادية والجيوسياسية على سوق الإسكان
أوضحت أماندا برايدن، رئيسة قسم الرهون العقارية في “هاليفاكس”، أن التطورات العالمية الأخيرة قد أضافت طبقة إضافية من عدم اليقين إلى التوقعات الاقتصادية. وأشارت إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد عزز التوقعات بشأن استمرار التضخم، مما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة. وقد انعكس هذا بالفعل على ارتفاع تكاليف الاقتراض بالنسبة للعديد من المشترين المحتملين.
فيما يتعلق بأسعار الفائدة، أبقى بنك إنجلترا على سياسته الحالية دون تغيير، حيث تم الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75 في المائة الأسبوع الماضي. وحذر البنك المركزي من المخاطر المرتبطة بارتفاع التضخم، والتي قد تكون مدفوعة بتداعيات الصراعات الإقليمية. يتوقع المستثمرون حالياً حدوث زيادتين إضافيتين في أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول نهاية عام 2026، مع احتمال أقل لزيادة ثالثة.
وفقاً لآشلي ويب، كبير الاقتصاديين البريطانيين في “كابيتال إيكونوميكس”، فإن الارتفاع المستمر في تكاليف الاقتراض يمكن أن يضع ضغوطاً كبيرة على سوق الإسكان، وقد يحد من نمو أسعار المنازل. وتزداد هذه الضغوط في حال تصاعدت التحديات السياسية لرئيس الوزراء.
لم تكن “هاليفاكس” الجهة الوحيدة التي أشارت إلى ضعف متزايد في قطاع العقارات البريطاني. فقد كشفت بيانات “ستاندرد آند بورز غلوبال” عن تفاقم التراجع في نشاط البناء، مدفوعاً بانخفاض حاد في وتيرة بناء المساكن الجديدة. كما سجلت هيئة المساحين المعتمدين (RICS) أكبر تراجع في طلبات المشترين الجدد منذ أغسطس (آب) 2023 خلال شهر مارس.
في المقابل، قدمت شركة “نايشن وايد” للتمويل العقاري رؤية مغايرة نسبياً الأسبوع الماضي، حيث أفادت بارتفاع أسعار المنازل بنسبة 0.4 في المائة في أبريل. وقد ساهم هذا الارتفاع في رفع معدل التضخم السنوي لأسعار المساكن إلى 3 في المائة، مما يشير إلى تباين في مؤشرات السوق.
تأثير الانتخابات المحلية على الجنيه الإسترليني والمشهد السياسي
في سوق العملات، شهد الجنيه الإسترليني ارتفاعاً مقابل الدولار واليورو يوم الجمعة. جاء هذا الارتفاع مدعوماً برد فعل الأسواق على نتائج الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة، والتي أشارت إلى خسائر كبيرة لحزب العمال. دفعت هذه النتائج المستثمرين إلى إعادة تقييم المشهد السياسي في البلاد، مع التركيز على مستقبل قيادة حزب العمال.
تراجع حزب العمال، بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، بشكل ملحوظ في عدد من الدوائر التي أعلنت نتائجها. ومع استمرار صدور النتائج، كثف المستثمرون من تقييمهم للتداعيات السياسية والاقتصادية المحتملة.
خلال التعاملات الصباحية، ارتفع الجنيه بنسبة 0.21 في المائة ليسجل 1.3578 دولار، بينما استقر تقريباً أمام اليورو عند 86.47 بنس. وعلى الجانب الآخر، سجل مؤشر الدولار الأميركي تراجعاً طفيفاً مقابل معظم العملات الرئيسية، وسط تجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على استمرار وقف إطلاق النار.
تتواصل متابعة الأسواق للتطورات السياسية في بريطانيا. وكان المحللون قد توقعوا بالفعل نتائج غير مشجعة لحزب العمال، مما أثار تساؤلات حول احتمالية مواجهة ستارمر تحديات داخلية لقيادة الحزب. وأشار موهيت كومار، الخبير الاقتصادي في “جيفريز”، إلى وجود ضغوط متزايدة داخل الحزب للمطالبة بتحديد جدول زمني لتغيير القيادة.
وأضاف كومار أن أي بديل محتمل قد يكون أكثر ميلاً نحو اليسار، مما قد يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد البريطاني. وفي أسواق الدين، شهدت السندات الحكومية البريطانية ارتفاعاً طفيفاً، فيما تراجع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس ليصل إلى 4.92 في المائة.
على الصعيد السياسي، حذر بعض نواب حزب العمال من أن خسارة عدد كبير من المقاعد في المجالس المحلية قد يؤدي إلى تصاعد الضغوط على ستارمر، سواء من حيث الدعوات للاستقالة أو المطالبة بوضع جدول زمني لرحيله. ومع ذلك، أكد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن رئيس الوزراء لا يزال يملك القدرة على تغيير المسار السياسي، رافضاً الدعوات التي تطالب بتحديد جدول زمني لرحيله.
ماذا بعد؟ تتجه الأنظار الآن إلى ردود فعل الحكومة والبنك المركزي البريطاني على هذه التطورات المتزامنة. ويترقب السوق ما إذا كانت هناك أي إجراءات سيتم اتخاذها لاستعادة الثقة في سوق الإسكان، أو لمعالجة المخاوف التضخمية. كما يتابع المحللون الوضع السياسي الداخلي لحزب العمال، حيث ستحدد مستقبل قيادته مسار السياسات الاقتصادية مستقبلاً.



