حزب الله يشعل جبهة الشمال بمسيرات آلية خارقة.. إسرائيل عاجزة أمام “القاتل غير المرئي”

باتت الطائرات المسيرة التي يتحكم بها حزب الله عبر كابلات ألياف ضوئية رفيعة للغاية، سلاحاً فتاكاً ومقلقاً لجيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. هذه الطائرات الصغيرة، المموهة والفعالة، أحدثت تحولاً نوعياً في تكتيكات الحرب المتبعة، وتسببت بخسائر بشرية ومادية تلحق بالجنود الإسرائيليين، في حين تبدو إسرائيل عاجزة حتى الآن عن إيجاد حل فعال للتصدي لها.

وقد كثّف حزب الله من استخدام هذه التقنية، التي أعلن عن بدء استخدامها لأول مرة في مارس/آذار الماضي، متسبباً في سقوط جنود وجرح آخرين، بالإضافة إلى استهداف آليات عسكرية. وتُشير التقديرات إلى أن تكلفة هذه الطائرات منخفضة، وتُصنع محلياً بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، مما يجعلها سلاحاً استراتيجياً فعالاً من حيث التكلفة.

قاتل غير مرئي.. تكتيك جديد يربك تل أبيب

برزت فعالية الطائرات المسيرة المزودة بكابلات الألياف الضوئية بشكل لافت بعد نجاحها في الإجهاز على جندي إسرائيلي وإصابة اثني عشر آخرين في جنوب لبنان وشمال إسرائيل، كما قضت على جندي ومتعاقد عسكري خلال الأسبوع الجاري. هذا التطور يمثل تحولاً ميدانياً نوعياً يثير قلقاً متزايداً لدى تل أبيب.

وفقاً للصحفي المتخصص في الشؤون الأمنية، علي الجزيني، فإن تكلفة بعض هذه الطائرات المسيرة تتراوح بين 300 و400 دولار أمريكي للطائرة الواحدة. وتُصنع هذه الطائرات محلياً على ما يبدو، مع استخدام مكونات إلكترونية متوفرة قابلة للاستخدام المزدوج، مما يكشف عن قدرة حزب الله على التطوير والابتكار في هذا المجال.

ويرى الخبير العسكري نضال أبو زيد أن لجوء حزب الله إلى تقنية الألياف الضوئية جاء كاستجابة وتكتيك مضاد، بعد أن نجحت منظومات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية في التشويش على أو إسقاط الطائرات المسيرة اللاسلكية التقليدية. وأضاف أبو زيد أن دقة هذا السلاح تظهر جلياً في استهداف مروحيات الإجلاء الطبي التابعة للجيش الإسرائيلي، مما ينم عن تكتيكات منتظمة تهدف إلى “إعماء” سلاح الجو الإسرائيلي.

ويُبرز تركيز الحزب على استهداف مستوطنات الشمال وقاعدة “ميرون” الاستخبارية، بالإضافة إلى بالون التجسس “الأيروستات” في الجنوب، استراتيجية واضحة لتكبيد إسرائيل خسائر متزايدة وإرباك قدراتها الاستخباراتية والقتالية.

مضادة للتشويش.. ميزة تنافسية

على عكس الطائرات المسيرة التقليدية التي تعتمد على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أو التحكم اللاسلكي، فإن الطائرات المزودة بكابلات الألياف الضوئية تتصل بوحدة التحكم مباشرة عبر خيط رفيع، مما يجعل التشويش الإلكتروني عليها أمراً مستحيلاً. هذه الميزة التنافسية تمنح هذه الطائرات قدرة فائقة على المناورة والتنفيذ.

وتتميز هذه الطائرات بقدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة وسرعات عالية، مما يصعب رصدها وتدميرها. وتُصنع من الألياف الزجاجية خفيفة الوزن، مما يقلل من بصمتها الحرارية والرادارية. كما أنها قادرة على تجاوز أنظمة الدفاع النشطة مثل “تروفي” المثبتة على دبابات “ميركافا” الإسرائيلية.

يسمح عرض نطاق الألياف ببث فيديو عالي الجودة بشكل مستمر، حتى في التضاريس المعقدة. وتمتد الخيوط لمسافات تتراوح بين 10 و30 كيلومتراً، مما يمنح الطائرة قدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة. وتحمل هذه الطائرات رؤوساً متفجرة تزن بين 10 و20 كيلوغراماً، قادرة على تدمير الآليات المصفحة.

ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤول في حزب الله أن هذه التقنية منخفضة التكلفة مقارنة بالأسلحة الإسرائيلية، إلا أنها جعلت جنود وآليات الجيش الإسرائيلي أهدافاً سهلة.

تخبط إسرائيلي.. حلول ارتجالية وإحباط

اعترف خبراء عسكريون ومسؤولون سابقون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بحالة من التخبط والعشوائية في تعاطي الجيش الإسرائيلي مع هذه الطائرات المسيرة. وأقر مسؤول عسكري إسرائيلي لوكالة أسوشيتد برس بأن هذه المسيرات تشكل تهديداً جديداً نسبياً خلال الجولة الأخيرة من القتال.

وأرجع الرئيس السابق لقيادة الدفاع الجوي في الجيش الإسرائيلي، ران كوخاف، هذا الفشل إلى قدرة الطائرات على التحليق المنخفض والسريع وصغر حجمها، مما يصعب رصدها وتتبعها. وأشار إلى أن إسرائيل ركزت على الصواريخ والقذائف، ولم تعر أهمية قصوى للطائرات المسيرة، وكان ينبغي عليها متابعة التطورات في هذا المجال، خصوصاً الحرب في أوكرانيا.

من جهتها، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين وجنود إسرائيليين قولهم إن تزايد استخدام حزب الله لطائرات مسيرة يعمل بنظام الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV) يشكل تهديداً كبيراً، وأن إسقاط المسيرة قد يستغرق ساعة كاملة. وأشاروا إلى أن الوحدات العسكرية تحاول ابتكار حلول مثل تغطية المعدات بشباك لاصطياد الطائرات، لكن حالة من الإحباط تسود وسط العجز الفعلي عن تحييد هذه التقنية.

وجاءت إشارة مسؤول أوكراني إلى أن كييف عرضت تبادل الخبرات مع إسرائيل لمواجهة تهديد الطائرات الإيرانية، إلا أن تل أبيب تجاهلت هذه التحذيرات، لتواجه الآن “تطبيقاً عدوانياً لخبرات قتالية مستمدة من روسيا عبر وكلاء إيران”.

من جانبه، أكد مدير مكتب الجزيرة في رام الله، وليد العمري، أن الجيش الإسرائيلي يواجه “تحديات خطيرة جداً” رغم تكثيف غاراته. وأشار إلى حالة إحباط داخل الوحدات القتالية لعدم امتلاك أدوات كافية لاعتراض هذه المسيرات، الأمر الذي يعمق الشعور بالعجز الميداني أمام تهديد يصعب احتواؤه.

ماذا بعد؟

تتجه الأنظار الآن نحو قدرة إسرائيل على تطوير استراتيجيات دفاعية فعالة لمواجهة هذا التهديد المتزايد، مع غياب حلول تقنية سريعة. سيبقى التحدي الأكبر هو مدى نجاح تل أبيب في تجاوز حالة التخبط الحالية وإيجاد حلول عملية لاحتواء هذه المسيرات القاتلة، بالتوازي مع استمرار حزب الله في تطوير قدراته وتكتيكاته.

شاركها.
Exit mobile version