يشهد لبنان انقسامًا حادًا على خلفية طائفية حول قانون العفو العام، الذي يُعدّ واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا على الساحة السياسية. وبينما يُفترض أن يمثل هذا القانون مدخلاً لمعالجة أزمة إنسانية متفاقمة في السجون اللبنانية، تحوّل إلى ساحة صراع سياسي يعكس الانقسامات الطائفية العميقة في البلاد. ينتظر آلاف السجناء هذا القانون بفارغ الصبر، في ظل ظروف معيشية مأساوية داخل السجون التي تعاني من اكتظاظ شديد، مما ينذر بانفجار اجتماعي وإنساني قريب.
قانون العفو العام: حاجة ملحة أم ساحة صراع طائفي؟
تتعدد مشاريع واقتراحات قوانين العفو العام المطروحة في لبنان، وتتباين مقارباتها بشكل يعكس الانقسام السياسي العميق. كل فريق سياسي ينظر إلى القانون من زاوية مصالحه وحساباته، ما يجعل الوصول إلى صيغة جامعة أمرًا بالغ الصعوبة. وفي ظل غياب إطار وطني شامل يحكم هذا القانون ذي الحساسية العالية، تتفاقم الأوضاع الإنسانية داخل السجون اللبنانية، التي باتت أقرب إلى “قنبلة موقوتة” بسبب الاكتظاظ الشديد وتدهور الظروف الصحية.
نقاشات عاصفة وخلافات طائفية في أروقة البرلمان
تتجلى حدة الانقسام في مقاربة القانون خلال الجلسات المكثفة للجان النيابية، حيث تشهد المناقشات “نقاشات عاصفة” تعكس الخلاف حول مضامين القانون، والجرائم المشمولة به، وتلك المستثناة منه. وقد أدت هذه الخلافات إلى عدم انعقاد إحدى الجلسات الأخيرة لمناقشة “استثناءات العفو العام” بسبب “التشنج” الذي ساد الجلسة. وتشير المعلومات إلى أن نقطة الخلاف التي فجرت الجلسة تمثلت في اتهامات بالطائفية طالت الجيش اللبناني.
أشار نائب رئيس البرلمان، إلياس بوصعب، إلى أنه سيتم الانتهاء من البحث في القانون في جلسة دعا إليها رئيس البرلمان، لكنه لفت إلى وجود نقطتين تحتاجان إلى نقاش، ما استدعى تشكيل لجنة صغيرة تمثل معظم القوى السياسية لمناقشة المواضيع المتبقية. وشهد الاجتماع الذي سبق هذا القرار مشادة كلامية بين نواب ووزير الدفاع الوطني ميشال منسى، بسبب اعتراض الأخير على استفادة الموقوفين الإسلاميين من العفو، نظرًا لاتهامات موجهة لبعضهم بالتورط بقتل جنود من الجيش اللبناني.
الخلفية الطائفية: عقبة أساسية أمام إقرار القانون
تكمن العقبة الأساسية في الطابع الطائفي الذي يطغى على مقاربة القانون. فالشارع السني يبدي تخوفًا من أن يستثني القانون الموقوفين الإسلاميين، استجابة لرغبة كتل سياسية بحجة تورط بعضهم في مواجهات مع المؤسسة العسكرية واتهامهم بقتل جنود، مما يجعل شمولهم بالعفو مسألة حساسة تعكس انعدام الثقة بين الكتل النيابية وتعيد إنتاج الانقسامات.
في المقابل، يطالب المكوّن الشيعي بأن يشمل القانون الموقوفين والملاحقين غيابيًا في قضايا تتعلق بزراعة وتصنيع وتجارة المخدرات، معتبرين أن هذه الملفات تحمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية تتجاوز الطابع الجرمي البحت. هذا يطرح إشكالية تتعلق بحدود العفو وإمكانية شموله جرائم يُنظر إليها على أنها خطيرة وتتخطى الجغرافيا اللبنانية، مؤثرة على علاقات لبنان بدول عربية، وخاصة دول الخليج التي كانت تصدر إليها شحنات الكبتاغون.
أما القوى المسيحية، فتضع في صلب أولوياتها معالجة أوضاع اللبنانيين الذين فروا إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000، معتبرة أن تسوية هذا الملف باتت ضرورة إنسانية ووطنية. إلا أن هذا الطرح يواجه اعتراضات من قوى أخرى، مما يزيد من تعقيد المشهد.
اقتراب التوافق على صيغة شاملة؟
يعتبر النائب أشرف ريفي، الذي يشارك في جلسات النقاش، أن “لا مفر من تحقيق إقرار قانون عفو ينهي أزمة السجون ويحقق العدالة والمساواة، خصوصًا المطالب المحقة للموقوفين الإسلاميين”. وأشار إلى أن “الكتل النيابية اقتربت من التوافق على صيغة شبه نهائية تشمل كل الجرائم، وتقضي بأن تُحدَّد عقوبة الإعدام والمؤبد بعشرين سنة، وأن تكون السنة السجنية ستة أشهر، ولمرة واحدة”.
وأقر ريفي بأن “كل المكونات الثلاثة في البلد، أي الشيعة والسنة والمسيحيون يفعلون” في مقاربة القانون من بعد طائفي ومذهبي. وأوضح أن المسيحيين يرغبون بشمول القانون للمبعدين إلى إسرائيل، بينما تدفع الطائفة الشيعية نحو شمول المتهمين بقضايا المخدرات والملفات الجنائية، في حين يصر المكوّن السني على ضرورة شمول العفو للموقوفين الإسلاميين. ورغم وجود “كباش قبل الجولة النهائية”، أكد أن “القانون سيُقرّ في نهاية المطاف، لما فيه مصلحة للجميع”.
إقرار القانون أو تهديد بانفجار في السجون
يرتفع منسوب القلق في الشارع اللبناني من إسقاط قانون العفو أو ترحيله مجددًا، مما يعني ضياع فرصة ثمينة لمعالجة أزمة السجون المتفاقمة، وترجمتها بتحركات واسعة في الشارع. رأى عضو كتلة “الجمهورية القوية”، النائب غياث يزبك، أن قانون العفو العام “سيُقرّ لا محالة، لأن البديل عنه انفجار كبير في السجون”. وأكد أن “أزمة السجون لا يمكن حلها إلا بالعفو العام”.
وعبر يزبك عن أسفه “لتسييس هذا القانون من قبل مختلف الأطراف السياسية”، لافتًا إلى وجود آلاف الموقوفين دون محاكمة، وكشف أن “هناك نحو 1800 موقوف في المخافر والنظارات لم يخضعوا حتى للتحقيقات الأولية، وهذا يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتعلقة بالسجناء”.
ويرى يزبك أن إصدار قانون العفو وإطلاق السجناء لا يكفي، بل المطلوب “إقامة نظام قضائي عادل بحيث لا تكون التوقيفات اعتيادية، وأن تُدرس الملفات من قبل النيابات العامة قبل اتخاذ قرار التوقيف، وإلا فإن السجون ستمتلئ مجددًا”. وشدد على ضرورة “معالجة هذا الملف بطريقة قضائية وأمنية وإنسانية”، داعيًا إلى “وضع السجون تحت سلطة مؤسسات مدنية متخصصة بإدارتها، كما هو معمول به في دول العالم”، وداعياً إلى توفير “توافق سياسي شامل، وإصدار قانون عادل ينصف الجميع”.
ماذا بعد؟
يبقى التحدي الأكبر هو تجاوز الخلافات الطائفية والسياسية للوصول إلى تسوية عادلة ومنصفة. من المتوقع أن يشهد الأسبوع القادم مزيدًا من النقاشات المكثفة، وسط ترقب لما إذا كان سيتم التوصل إلى صيغة نهائية للقانون قبل نهاية الشهر، أو ما إذا كانت الأزمة ستتفاقم مع ما تحمله من تبعات اجتماعية وأمنية.


