تؤشر التصريحات والمواقف المتصاعدة على وجود تصدعات داخل الحلف الواحد المضاد لموسكو، وسط استعدادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين نهاية الشهر الحالي لبحث إنهاء الحرب في أوكرانيا.
ويستبق ترمب لقاءه الموعود مع نظيره الروسي، بإطلاق سيل من الانتقادات والاتهامات أحيانًا ضد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنيسكي، واصفًا إياه بـ”الديكتاتور”، الذي أقنع واشنطن بإنفاق 350 مليار دولار لخوض حرب لا يمكن الفوز بها.
اتهامات متبادلة بين واشنطن وكييف
في المقابل، اعتبر الرئيس الأوكراني نظيره الأميركي بأنه “يعيش في فقاعة من التضليل مصدرها روسيا”، مشددًا على أنه لن يبيع بلده، وأن جيشه يتمتع بقدر كاف من الصمود، وفق تعبيره.
وجاءت اتهامات ترمب الحادة بعد لقاءٍ جمع ممثلي روسيا والولايات المتحدة في الرياض تحت عنوان “استعادة الثقة بين الطرفين” تمهيدًا للقاء زعيمي البلدين لاحقًا.
وفي الأثناء، جاء موفد الرئيس الأميركي إلى أوكرانيا كيث كيلوغ كي يفهم الضمانات الأمنية التي يريدها زيلنيسكي في المفاوضات الرامية إلى إنهاء حرب مستمرة مع روسيا منذ ثلاث سنوات.
سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل نهاية الشهر الحالي- رويترز
لكنّ زيارة كيلوغ إلى كييف يبدو أنها لن تهدئ من المخاوف الأوكرانية في ظل تصريحات أخرى منسوبة لترمب، أشار فيها إلى رغبته بالاستحواذ على نصف المعادن الثمينة في أوكرانيا مقابل المساعدات العسكرية التي قدمتها واشنطن لكييف طيلة الحرب.
بدوره، ينظر الحليف الأوروبي بقلق لا يقل حدةً من أوكرانيا نفسها، إثر استدارة ترمب حيال الملف الأوكراني فور دخوله البيت الأبيض لولاية ثانية.
وتسعى أوروبا إلى التحرك في مواجهة خطوة الجمهوري ترمب الذي انفتح على روسيا خلافًا للسياسة الصارمة التي انتهجها سلفه الديمقراطي جو بايدن ضد موسكو منذ بدء الهجوم على أوكرانيا.
وقد شهدت باريس اجتماعًا لقادة الاتحاد الأوروبي هدفه بحثُ سبل احتواء الموجة التي أثارها الحليف الأميركي بحلّته الجمهورية الجديدة وماهية الخيارات المتاحة لمواجهتها. وفي هذا السياق، أقر الاتحاد الأوروبي عقوباتٍ جديدة ضد روسيا، وهي الحُزمةُ السادسةَ عشْرةَ منذ بداية هجومها على أوكرانيا.
“زيلينيسكي ليس ديكتاتورًا”
وتعليقًا على الانتقادات التي وجهها ترمب لزيلينسكي، يعتبر وزير الخارجية الأوكراني السابق قسطنطين هريشينكو أنه “من الصعب التعليق على هذا الموضوع أو تقبله”، مؤكدًا أنه جرى انتخاب زيلينسكي في انتخابات عادلة لم يطعن بها أحد.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من كييف، يقول هريشينكو: “هناك حرية لانتقاد زيلينسكي”، لافتًا إلى أن “الرئيس الأوكراني ليس دكتاتورًا ولديه مسؤوليات هامة في ظل الحرب”، معتبرًا أنه يجب الاعتماد على جهات تدعم سيادة أوكرانيا.
ويرى أن الأمر يعتمد على زيلينسكي في إدارة العلاقة مع الرئيس الأميركي، الذي نجح في انتخابات عادلة ولديه الحق في التعبير عن وجهة نظره رغم أنها لا تتماشى مع الواقع على الأرض.
شبهات فساد تقلق أميركا
من جهته، يعتبر المستشار السابق لجورج بوش والباحث في السياسية الخارجية الأميركية ستيف جيل أن الرئيس زيلينسكي ألغى الانتخابات الحرة وأحزاب المعارضة وحرية الإعلام واتخذ الإجراءات التي أدت إلى الفساد في أوكرانيا.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من واشنطن، يرى جيل أن زيلينسكي لا يمكنه أن يفسّر كيفية إنفاق 100 مليار دولار من المساعدات الأميركية في أوكرانيا.
ويؤكد جيل قلق الرئيس الأميركي بشأن ما إذا كان زيلينسكي يمثّل مصالح أوكرانيا أو مصالح أوروبية ترى قيمة في استخدامه واستخدام بلاده لأجنداتها.
كما يعتبر أن ما حصل بعد الحرب هو توسع الناتو في أوكرانيا وتهديده بالوصول إلى الحدود الروسية وهو ما أدى إلى هذا النزاع، وفقًا لترمب.
“خشية” أوروبية
وفي ما يخص خيارات أوروبا، يعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس جان بيار ميلالي أن الموقف الأوروبي تسوده الحيرة والخشية، مشيرًا إلى أن موقف ترمب لم يكن مفاجئًا وهو الذي بدأ بمقترحات غريبة في ملفات مثل ملف غزة وغيرها.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من باريس، يلفت ميلالي إلى أن الرئيس الأميركي “يتصرف كعميل روسي” ويبدو أنه يتواطأ مع الروس، حسب قوله. ويضيف: “إن ترمب بعد أن أفلس تمكّن من العودة بمساعدة الروس”.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تحاول أن تفرض حالة جديدة متسائلًا عن جدوى مساعدة “الدكتاتور الروسي”.
وفي الوقت نفسه، يلحظ ميلالي “انشقاقا في الموقف الأوروبي حيث تنقسم الدول الأوروبية وفقًا لمصالحها”، فبينما صرّح المستشار الألماني أنه لن يرسل جنودًا إلى أوكرانيا ضمن قوات لحفظ السلام، قدّم رئيس الوزراء البريطاني اقتراحًا بهذا الخصوص.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس أن الموقف الأكثر إحراجًا يتمثل في إبعاد ترمب لأوكرانيا عن المفاوضات، “فهو يقترح عقد مفاوضات بشأن الحرب الأوكرانية مع الروس من دون أوكرانيا”.

