يدخل مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسبوعاً حاسماً، حيث يتأهب أعضاء لجنة السياسة النقدية لعقد اجتماعهم الدوري وسط أجواء هي الأكثر شحناً بالسياسة والقانون في تاريخ البنك. ورغم العواصف التي تضرب استقلالية المؤسسة، يشير كل التوقعات إلى أن «الفيدرالي» يسعى لفرض حالة من الهدوء الفني عبر الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 في المائة – 3.75 في المائة، في محاولة لإعادة الدفة نحو المسار الاقتصادي الصرف بعيداً عن السجالات العلنية مع البيت الأبيض.
استراحة «المحارب» الاقتصادي
بعد سلسلة من 3 تخفيضات متتالية لأسعار الفائدة في العام الماضي، يبدو أن رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، قرر تبني استراتيجية «الانتظار والترقب». وتأتي هذه الخطوة لتقييم أثر السياسات السابقة على الاقتصاد، خصوصاً بعد أن أظهرت بيانات التوظيف بوادر استقرار نسبي وانخفاضاً طفيفاً في معدلات البطالة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ويرى خبراء اقتصاد أن البنك المركزي بات في وضع مريح يسمح له بمراقبة تطورات الأسواق قبل الإقدام على أي خطوة تيسيرية جديدة، وهو موقف قد لا يروق للرئيس دونالد ترمب الذي يطالب بخفض أكثر عدوانية للفائدة.
تحقيقات «الترميم» وضغوط وزارة العدل
لا يمكن قراءة هذا الاجتماع بمعزل عن «القنبلة» القانونية التي انفجرت مطلع هذا الشهر؛ حيث يواجه باول سابقة تاريخية بكونه أول رئيس للبنك المركزي يخضع للتحقيق الجنائي من قبل وزارة العدل. التحقيق، الذي يدور حول شهادة أدلى بها باول بشأن تجديدات مبنى البنك بتكلفة 2.5 مليار دولار، عدّه باول نفسه «ذريعة» سياسية تهدف لمعاقبة البنك على استقلالية قراراته النقدية. هذا المشهد يضع باول تحت مجهر مضاعف، حيث سيتعين عليه خلال المؤتمر الصحافي، إثبات أن قرارات الفائدة نابعة من جداول البيانات الاقتصادية، وليست رد فعل على «المضايقات» القانونية.
معركة ليزا كوك واستقلالية المحافظين
وبينما ينشغل باول بالدفاع عن نفسه، تخوض المحافظة ليزا كوك معركة أخرى في المحكمة العليا، حيث تسعى إدارة ترمب لإقالتها على خلفية اتهامات تتعلق باحتيال عقاري، وهي اتهامات تنفيها كوك بشدة. وتكتسب هذه القضية أهمية كبرى لكونها تمس صلب استقلالية حكام البنك، إذ لم يسبق لأي رئيس أميركي في تاريخ البنك الممتد لـ112 عاماً، أن أقال محافظاً. وتشير المداولات الأولية في المحكمة إلى ميل القضاة للسماح لها بالبقاء في منصبها حتى حسم القضية، مما يعطي «الفيدرالي» تماسكاً مؤقتاً في وجه الضغوط الخارجية.

التضخم والنمو… متغيرات تحكم المشهد
بعيداً عن أروقة المحاكم، تظل لغة الأرقام هي الحكم؛ فالتضخم لا يزال يمثل تحدياً كبيراً بعد أن سجل 2.8 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، متجاوزاً مستويات العام الذي سبقه.
ومع نمو الاقتصاد بمعدل سنوي قوي بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث من العام الماضي، وتوقعات بزيادة القوة الشرائية للمستهلكين بفضل ارتفاع استردادات الضرائب بنسبة 20 في المائة، يجد «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه أمام مبررات قوية لتأجيل أي خفض إضافي للفائدة. ويرجح المحللون أن يظل الانتظار سيد الموقف حتى الربيع أو الصيف المقبل، ما لم يطرأ تدهور مفاجئ في سوق العمل، أو تراجع حاد في وتيرة التوظيف.


