تفاقمت المخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي مع تصاعد حرب إيران، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الأسمدة. تشهد الأسواق العالمية للأسمدة المعدنية ارتفاعًا بنسبة تصل إلى 40% منذ بداية العام، مما يضع ضغوطًا غير مسبوقة على المزارعين في جميع أنحاء العالم. أدى هذا الوضع إلى تعليق الإنتاج في منشآت رئيسية للأسمدة، بما في ذلك أكبر مصنع لليوريا في العالم تديره شركة «قطر للطاقة»، بسبب الهجمات التي استهدفت منشآتها للغاز الطبيعي المسال. كما تواجه دول مثل مصر والهند تحديات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي.
يُعيد الوضع الحالي إلى الأذهان ما حدث في فبراير 2022، حيث تقترب أسعار الأسمدة النيتروجينية العالمية من مستوياتها القياسية السابقة التي سُجلت مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية. وعلى الرغم من أن المستهلكين في أوروبا لم يشعروا بتداعيات مباشرة حتى الآن، بسبب قيام العديد من المزارعين بتأمين احتياجاتهم الربيعية قبل بدء التصعيد، فإن استمرار الأزمة من المتوقع أن يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج وبالتالي ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية.
تأثير حرب إيران على أسعار الأسمدة والأمن الغذائي
تُعد صناعة الأسمدة من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام رئيسية. وتمثل الطاقة ما يصل إلى 70% من تكاليف الإنتاج، مما يفسر تركز جزء كبير من هذه الصناعة في الشرق الأوسط. يمر ثلث التجارة العالمية في الأسمدة عبر مضيق هرمز، الذي شهد شبه إغلاق منذ بدء التصعيد، مما أثر بشكل مباشر على إنتاج الأسمدة في المنطقة وخارجها.
يُشكل إغلاق مضيق هرمز، الذي يعبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، تحديًا كبيرًا. فقد أُجبرت منشآت الطاقة في الشرق الأوسط على وقف الإنتاج، مما أدى إلى إغلاق مصانع الأسمدة في وقت حرج يستعد فيه المزارعون في نصف الكرة الشمالي للزراعة الربيعية.
تاريخياً، لم تتحقق المخاوف الكبرى بشأن الأمن الغذائي العالمي قبل أربع سنوات، حيث استفادت روسيا، كأحد أكبر منتجي الأسمدة، من الحرب وزادت صادراتها. ولكن الوضع تغير مع الاعتراف الأوروبي التدريجي بزيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية. تُشكل أسعار الغاز حوالي 80-90% من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار الغاز يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار الأسمدة.
لعبت الأسمدة المعدنية دورًا حيويًا في زيادة الإنتاج الزراعي العالمي؛ ففي عام 2008، قُدّر أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج ضعف ما كان عليه في بداية القرن العشرين، وأن 48% من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام هذه الأسمدة. ويمر ثلث اليوريا المتداولة عالميًا وحوالي 20% من الأمونيا عبر مضيق هرمز.
على الرغم من أن التأثيرات المباشرة على أوروبا محدودة، حيث لا تستورد معظم الأسمدة من مناطق الصراع، إلا أن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال تظل ملموسة. وقد أضعفت الزيادات الكبيرة في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال الأزمة السابقة صناعة الكيماويات في المنطقة. لذلك، تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي وفرض رسوم جمركية أعلى على البوتاس الروسي، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات الروسية وتعزيز القدرة الذاتية.
تقوم روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتًا لحماية مزارعيها. وبالنسبة لمعظم المزارعين الألمان، لا تزال التأثيرات الحالية محدودة، حيث تم تأمين معظم احتياجات فصل الربيع. ومع ذلك، يواجه المزارعون الذين يضطرون للشراء الآن تكاليف مرتفعة، مما يضغط على سيولتهم الاقتصادية، خاصة مع انخفاض أسعار المنتجين للحبوب.
تبلغ الأسمدة حوالي 50% من تكلفة إنتاج الحبوب في بعض البلدان، وتحذر وكالة الغذاء التابعة للأمم المتحدة من أن العديد من الدول منخفضة الدخل كانت تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل الأزمة. وتكتسب الأسمدة النيتروجينية أهمية خاصة على المدى القصير، حيث يمكن أن تتأثر المحاصيل بشكل كبير إذا لم تُستخدم لموسم واحد، على عكس أسمدة الفوسفات والبوتاسيوم.
كانت السوق العالمية لليوريا تعاني بالفعل من نقص في الإمدادات قبل التصعيد الحالي، وذلك بسبب خفض أوروبا لإنتاجها بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرض الصين لقيود على صادرات الأسمدة لضمان إمداداتها المحلية.
ماذا بعد؟
تتجه الأنظار نحو تطورات حرب إيران وتأثيرها المستمر على إمدادات الغاز والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. يبقى مراقبة استمرار أو انحسار القيود على مضيق هرمز، والقرارات الروسية المستقبلية بشأن صادرات الأسمدة، عاملين حاسمين في تحديد مسار أسعار الأسمدة وتأثيرها طويل الأمد على الأمن الغذائي العالمي.



