خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

دخلت المواجهة الأمريكية – الإيرانية مرحلة أكثر التباساً من الحرب نفسها، مع انتهاء مهلة الـ60 يوماً التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب دون تفويض جديد من الكونغرس، لتتجه الأنظار نحو خيارات الرئيس دونالد ترمب بعد هذه المهلة، والتي باتت تشكل اختباراً دستورياً وسياسياً.

لم يعد السؤال في واشنطن مقتصراً على قدرة إدارة ترمب على فرض شروطها على طهران، بل امتد ليشمل قدرتها على مواصلة الضغط العسكري والبحري دون موافقة الكونغرس. تحاول الإدارة تقديم وقف إطلاق النار باعتباره فاصلاً قانونياً، لكن محللين يرون أن جوهر الأزمة لم ينتهِ، فالحرب لم تنتهِ سياسياً، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً أو معطلاً، والحصار البحري مستمر، والمفاوضات لا تتقدم.

وقف النار كحيلة قانونية

تعتمد إدارة ترمب على فكرة أن وقف إطلاق النار الذي بدأ في 7 أبريل (نيسان) ثم جرى تمديده، يعني انتهاء الأعمال القتالية التي بدأت في 28 فبراير. وبذلك، لا ترى الإدارة نفسها ملزمة بطلب تفويض فوري من الكونغرس أو تقديم مبررات لتمديد العمليات 30 يوماً إضافية. وزير الدفاع بيت هيغسيث ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن وقف إطلاق النار «يوقف أو يعلّق» ساعة الستين يوماً.

أثار هذا الطرح اعتراضات حادة من الديمقراطيين وتشكيكاً من بعض الجمهوريين. يعتبر المعارضون أن المسألة ليست ما إذا كانت القنابل تسقط يومياً، بل ما إذا كانت القوات الأمريكية لا تزال منخرطة في أعمال عدائية. ويشير السيناتور الديمقراطي تيم كين إلى أن الحصار البحري، وفق القانون الدولي، عمل حربي، وأن وقف إطلاق النار لا يلغي استمرار الأعمال العدائية طالما أن البحرية الأمريكية تمنع السفن من دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها. وشددت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز على أن مهلة الستين يوماً «ليست اقتراحاً، بل مطلباً».

يبدو أن البيت الأبيض يتجنب مواجهة تصويت صريح على الحرب، لكنه لا يريد أيضاً الظهور بمظهر المتراجع. يسعى لتحويل النزاع من حرب مفتوحة إلى عملية ضغط مستمرة، مما يسمح له بالقول إن المرحلة الأولى انتهت، دون التخلي عن أدوات القوة.

تسمية جديدة للصراع

أحد الخيارات المطروحة داخل الدوائر الجمهورية هو إطلاق عملية جديدة باسم جديد، منفصلة عن «الغضب الملحمي». الفكرة هنا ليست شكلية فقط، فإذا أعلنت الإدارة أن الحرب الأولى انتهت بوقف إطلاق النار، يمكنها تقديم أي تحرك لاحق كمهمة جديدة لـ «الدفاع عن النفس» أو لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لا كاستمرار للحرب السابقة.

يمنح هذا المسار ترمب مساحة مناورة قانونية وسياسية، حيث يستطيع القول إن الهدف لم يعد إسقاط القدرات الإيرانية أو فرض استسلام نووي شامل، بل فتح ممر دولي حيوي ومنع طهران من ابتزاز سوق الطاقة العالمية. لكن هذا الطرح يحمل مخاطر، فقد يرى الكونغرس في تغيير الاسم محاولة للتفاف على قانون صلاحيات الحرب.

مع ذلك، قد يجد البيت الأبيض في هذه الصيغة مخرجاً مناسباً، فهي تسمح بتهدئة الجبهة القانونية مؤقتاً، وتخفف الضغط على الجمهوريين المترددين، وتمنح الإدارة فرصة لإعادة تعريف أهدافها بعد أن تبين أن الحرب السريعة لم تنتج استسلاماً إيرانياً، ولم تفتح هرمز، ولم تسقط النظام.

الحصار البحري: خيار أقل تكلفة سياسياً

يُعتبر الحصار البحري الخيار الأكثر انسجاماً مع سياسات ترمب، الذي يفضل أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات على الحروب الطويلة. يقول باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا»، إن «الحصار يضغط على إيران يومياً، ويكلفها مئات الملايين من الدولارات، ويمنح ترمب ورقة تفاوضية، دون أن يفرض عليه الظهور كرئيس ينزلق إلى حرب شرق أوسطية جديدة». كما يسمح له بالقول إنه لا يشن حرباً، بل يحمي حرية الملاحة.

لكن الحصار وحده قد لا يكفي، فالنظام الإيراني أثبت قدرته على تحمل كلفة اقتصادية عالية. كما أن إطالة الحصار قد تضرب الاقتصاد العالمي، وتبقي أسعار الطاقة تحت الضغط، وتزيد غضب الحلفاء إذا فشلت واشنطن في فتح هرمز. يصبح الحصار هنا أداة استنزاف مزدوجة، ترهق إيران والإدارة الأمريكية إذا لم تسفر عن تسوية.

استئناف الضربات: خيار الصقور

يدفع بعض الصقور في الإدارة الأمريكية نحو استئناف العمليات العسكرية، بحجة أن النظام الإيراني لا يتفاوض تحت الضغط الاقتصادي فقط، وأن الحصار لا يهدد بقاءه بما يكفي. يرى مارك ثيسن، كبير كتّاب الخطابات الأسبق للرئيس جورج دبليو بوش، أن واشنطن تحتاج إلى «جولة أخيرة» من الضربات تستهدف القيادة العسكرية والقدرات الصاروخية والبحرية، قبل إعادة فتح مضيق هرمز من موقع قوة.

يبدو هذا الطرح جذاباً لمن يريد «نصراً حاسماً»، لكنه محفوف بالمخاطر. فالضربات دون تفويض واضح ستعمّق الأزمة الدستورية مع الكونغرس، وإذا ردت إيران باستهداف منشآت الطاقة أو القوات الأمريكية، فقد تتوسع الحرب مجدداً. وإذا فشلت الضربات في إجبار طهران على التراجع، ستجد الإدارة نفسها أمام حرب أطول وأكثر تكلفة.

قد يكون الخيار المرجح مزيجاً من المسارات الثلاثة: إعلان قانوني بانتهاء الأعمال القتالية الأولى، إطلاق مهمة جديدة لحماية الملاحة، وتوسيع الحصار مع إبقاء التهديد العسكري قائماً. وبهذا يستطيع ترمب تجنب تفويض صعب في الكونغرس، ومواصلة الضغط على إيران، والحفاظ على صورة الرئيس الذي لم يتراجع.

شاركها.
Exit mobile version